أخبار قناة الشمس

×

اضغط هنا إن لم يقم المتصفح بتحويلك آليًا.

هل مشكلة الكهرباء في السودان مشكلة استهلاك أم مشكلة إنتاج؟ - د ماجدة مصطفى صادق- عميد كلية الاقتصاد والدراسات المالية والمصرفية - جامعة السودان العالمية

هل مشكلة الكهرباء في السودان مشكلة استهلاك أم مشكلة إنتاج؟ -  د ماجدة مصطفى  صادق-  عميد  كلية  الاقتصاد  والدراسات المالية  والمصرفية -  جامعة  السودان  العالمية
 هل مشكلة الكهرباء في السودان مشكلة استهلاك أم مشكلة إنتاج؟

قراءة اقتصادية في مقترح ترشيد الاستهلاك (1)


في كل صيف، ومع اشتداد درجات الحرارة، يعود مشهد انقطاع الكهرباء في السودان ليتصدر المشهد العام، فتتعالى أصوات الغضب، وتكثر الاحتجاجات، وتتكرر المطالب بإيجاد حلول عاجلة. غير أن السؤال الذي ينبغي أن يسبق كل هذه المطالب هو: هل أزمة الكهرباء في السودان ناتجة عن إسراف المواطنين في الاستهلاك، أم أنها في الأصل أزمة إنتاج وإدارة لمنظومة الطاقة؟
إن الإجابة العلمية والاقتصادية تشير إلى أن جوهر الأزمة هو عجز في الإنتاج والنقل والتوزيع، بينما يمثل الاستهلاك أحد العوامل التي تزيد من حدة المشكلة، وليس سببها الأساسي.
فالطلب على الكهرباء يرتفع بصورة طبيعية مع النمو السكاني، والتوسع العمراني، وازدياد استخدام الأجهزة الكهربائية، خاصة في أشهر الصيف. وفي المقابل، لم يواكب التوسع في الطلب نمو مماثل في قدرات التوليد، كما تأثرت المحطات الحرارية بنقص الوقود وارتفاع تكلفته، وتعرضت شبكات النقل والتوزيع لأعطال متكررة، فضلاً عن الأضرار الكبيرة التي لحقت بالبنية التحتية خلال الحرب. ولذلك أصبح الإنتاج الفعلي أقل بكثير من حجم الطلب، فتولد ما يعرف اقتصادياً بـ"فجوة الطاقة".
وفي ظل هذا الواقع، اعتادت شركات الكهرباء معالجة الأزمة بوسيلة واحدة تقريباً، هي القطوعات المبرمجة، حيث ينقطع التيار عن الجميع لساعات متفاوتة. ورغم أن هذا الإجراء يحقق نوعاً من توزيع العجز، إلا أنه لا يميز بين المواطن الذي يرشد استهلاكه، وآخر يستهلك الكهرباء بإفراط، كما أنه لا يشجع على تغيير السلوك الاستهلاكي.
ومن هنا تبرز فكرة تستحق النقاش الاقتصادي، وهي إعادة برمجة نظام العدادات مسبقة الدفع بحيث لا يقتصر دورها على تحصيل قيمة الاستهلاك، بل تتحول إلى أداة لإدارة الطلب على الكهرباء.
وتقوم الفكرة على تحديد سقف شهري للطاقة الكهربائية لكل مشترك، يعتمد على متوسط استهلاكه التاريخي، ثم يُخفض بنسبة تعادل العجز في التوليد.
فإذا كان متوسط استهلاك أحد المشتركين ألف كيلوواط ساعة شهرياً، وكان العجز في الإنتاج يبلغ 40%، فإن الحد الأقصى المسموح بشرائه خلال ذلك الشهر يصبح 600 كيلوواط ساعة فقط. ويصبح المستهلك حراً في كيفية توزيع هذه الكمية على أيام الشهر، فإن أحسن الإدارة استمرت الخدمة حتى نهاية الشهر، وإن أسرف في الأيام الأولى، فسوف تنفد حصته قبل نهاية الشهر، ويتحمل نتيجة قراره.
اقتصادياً، ينقل هذا النظام المسؤولية من الشركة إلى المستهلك، ويحول المواطن من متلقٍ سلبي للقطوعات إلى شريك في إدارة الأزمة. كما أنه يشجع على استخدام الأجهزة الموفرة للطاقة، وإطفاء الأحمال غير الضرورية، وإعادة ترتيب أولويات الاستهلاك داخل المنزل.
ومن زاوية العدالة الاجتماعية، فإن هذا المقترح يحقق قدراً أكبر من المساواة. ففي النظام الحالي قد يستهلك بعض الأفراد كميات كبيرة من الكهرباء دون اكتراث، بينما يلتزم آخرون بالترشيد، ثم يتعرض الجميع للقطع بالقدر نفسه. أما في النظام المقترح، فإن كل مشترك يحصل على نصيبه العادل من الطاقة وفق معايير واضحة، ويصبح مقدار الخدمة التي يحصل عليها مرتبطاً بحسن إدارته لا بإسرافه.
ومع ذلك، فإن هذا المقترح، رغم وجاهته، ليس علاجاً نهائياً للأزمة، لأنه يعالج جانب الطلب أكثر مما يعالج جانب العرض. فلا يمكن لأي سياسة لترشيد الاستهلاك أن تعوض نقصاً كبيراً في الإنتاج، كما لا يمكن تحميل المواطنين وحدهم مسؤولية أزمة تعود جذورها إلى ضعف الاستثمار في محطات التوليد، وتقادم الشبكات، والفاقد الفني والتجاري، وسرقة الكهرباء، وغياب الصيانة المنتظمة.
لذلك فإن الحل الحقيقي يجب أن يقوم على مسارين متوازيين. الأول هو زيادة الإنتاج من خلال إعادة تأهيل المحطات القائمة، والتوسع في الطاقة الشمسية والرياح، وتقليل الفاقد في شبكات النقل والتوزيع، وجذب الاستثمارات إلى قطاع الكهرباء. أما المسار الثاني فهو إدارة الطلب بوسائل ذكية، مثل العدادات المتطورة، والتسعير المرن، ونشر ثقافة كفاءة استخدام الطاقة، ومن بينها فكرة تحديد سقف شهري للاستهلاك في فترات العجز الحاد.
إن السودان لا يعاني من أزمة استهلاك بقدر ما يعاني من أزمة إنتاج وإدارة. غير أن إدارة الطلب أصبحت ضرورة لا تقل أهمية عن زيادة العرض، خصوصاً في الظروف الاستثنائية التي تمر بها البلاد. وإذا أحسن تصميم نظام يوازن بين العدالة والكفاءة، فإن المواطن لن يكون ضحية لانقطاع الكهرباء فحسب، بل سيكون شريكاً في تجاوز الأزمة.
إن إدارة الطاقة في القرن الحادي والعشرين لم تعد تعتمد فقط على بناء المزيد من المحطات، وإنما أصبحت تقوم أيضاً على إدارة ذكية للاستهلاك. وعندما يتحول كل مواطن إلى شريك في الحفاظ على كل كيلوواط ساعة، يصبح المجتمع أكثر قدرة على مواجهة الأزمات، إلى أن تستعيد منظومة الكهرباء قدرتها الكاملة على تلبية احتياجات التنمية والحياة الكريمة.

صور مميزة