أخبار قناة الشمس

×

اضغط هنا إن لم يقم المتصفح بتحويلك آليًا.

تقنين شراء الكهرباء في السودان.. من ثقافة الاستهلاك إلى عدالة التوزيع (2) د .ماجدة مصطفى صادق - عميد كلية الاقتصاد والدراسات المالية والمصرفية - جامعة السودان العالمية

تقنين شراء الكهرباء في السودان.. من ثقافة الاستهلاك إلى عدالة التوزيع  (2)                                         د .ماجدة  مصطفى  صادق - عميد  كلية  الاقتصاد والدراسات  المالية  والمصرفية - جامعة السودان العالمية
 
تقنين شراء الكهرباء في السودان.. من ثقافة الاستهلاك إلى عدالة التوزيع (2)

د. ماجدة مصطفى صادق - عميد كلية الاقتصاد والدراسات المالية والمصرفية - جامعة السودان العالمية

تواجه السودان واحدة من أعقد أزمات الكهرباء في تاريخها، حيث أصبحت القطوعات المتكررة واقعاً يومياً يرهق المواطنين ويؤثر سلباً على النشاط الاقتصادي والخدمي. ومع تزايد الطلب على الكهرباء في ظل محدودية الإنتاج وتضرر البنية التحتية بسبب الحرب، لم تعد الحلول التقليدية كافية، بل أصبح من الضروري التفكير في سياسات جديدة تحقق التوازن بين الإنتاج والاستهلاك، وتضمن العدالة في توزيع الطاقة.
من بين هذه السياسات تبرز فكرة تطبيق نظام تقنين (Rationing) شراء الكهرباء من خلال العدادات مسبقة الدفع، بحيث تُخصص لكل مشترك حصة شهرية من الكهرباء تتناسب مع احتياجاته الأساسية، بينما يخضع الاستهلاك الذي يتجاوز تلك الحصة لضوابط محددة. وبهذا يتحول المواطن من مجرد مستهلك إلى شريك في إدارة مورد وطني محدود.
إن جوهر هذه الفكرة لا يقوم على الحرمان أو العقاب، وإنما على تحقيق العدالة المجتمعية. فمن غير المنطقي أن يستهلك بعض المشتركين كميات كبيرة من الكهرباء في الاستخدامات الكمالية، بينما تعاني أسر أخرى من انقطاع الخدمة لساعات طويلة بسبب نقص الإمداد. فالعدالة تقتضي أن يحصل كل مواطن على نصيب عادل من الكهرباء يكفل احتياجاته الأساسية، قبل السماح بالاستهلاك المفرط.
ويمكن تصميم النظام بصورة مرنة تراعي الفروق بين الأسر، بحيث تمنح الأسر الكبيرة، وذوو الاحتياجات الخاصة، والمستشفيات، والمدارس، والمرافق الحيوية حصصاً إضافية تتناسب مع طبيعة احتياجاتها. كما يمكن منح حوافز للمواطنين الذين ينجحون في ترشيد استهلاكهم، مثل ترحيل جزء من الكوتة غير المستهلكة أو منح رصيد تشجيعي، مما يحول الترشيد إلى سلوك إيجابي وليس مجرد التزام مفروض.
اقتصادياً، يحقق هذا النظام فوائد عديدة، فهو يحد من الإسراف، ويخفض الضغط على الشبكة الكهربائية، ويقلل ساعات القطوعات، كما يرفع كفاءة استخدام الموارد دون الحاجة إلى استثمارات ضخمة في المدى القصير. أما اجتماعياً، فإنه يعزز الإحساس بالمسؤولية المشتركة، ويكرس مبدأ أن الموارد العامة يجب أن توزع وفق أسس عادلة ومنصفة.
ومع ذلك، فإن نجاح هذا المقترح يتوقف على عدة شروط، أهمها وجود قاعدة بيانات دقيقة للمشتركين، وإعادة برمجة العدادات مسبقة الدفع، ووضع آلية شفافة للتظلمات والاستثناءات، إضافة إلى حملة إعلامية واسعة تشرح أهداف النظام وتؤكد أنه وسيلة لتحقيق العدالة وليس أداة لزيادة الأعباء على المواطنين.
لقد أثبتت الأزمات أن الموارد المحدودة لا يمكن إدارتها بسياسة "الاستهلاك المفتوح"، وإنما تحتاج إلى قواعد واضحة تحقق التوازن بين الحقوق والواجبات. وإذا نجح السودان في تبني نظام عادل لتقنين استهلاك الكهرباء، فإنه لن يسهم فقط في تخفيف أزمة الإمداد، بل سيؤسس لثقافة جديدة تقوم على ترشيد الاستهلاك، وحماية الموارد، وتعزيز العدالة الاجتماعية.
إن الكهرباء ليست مجرد سلعة، بل هي حق أساسي وركيزة للتنمية. وكلما كان توزيعها أكثر عدالة، كان المجتمع أكثر استقراراً، والاقتصاد أكثر قدرة على التعافي، والدولة أكثر كفاءة في إدارة مواردها. وربما يكون الوقت قد حان للانتقال من سياسة القطوعات الجماعية التي يعاني منها الجميع، إلى سياسة إدارة ذكية للاستهلاك، يكون فيها كل مواطن شريكاً في الحل، لا مجرد متلقٍ للأزمة.

صور مميزة