أخبار قناة الشمس

×

اضغط هنا إن لم يقم المتصفح بتحويلك آليًا.

Kadhim Almikdadi علي الفواز .. يكتب عن تجربة المقدادي .. على سطح صفيح ساخن

Kadhim Almikdadi علي الفواز ..  يكتب عن تجربة المقدادي .. على سطح صفيح ساخن
 Kadhim Almikdadi
علي الفواز ..
يكتب عن تجربة المقدادي ..
على سطح صفيح ساخن
نشرت جريدة ( البينة الجديدة) بعددها المؤرخ في 5/19 نص الاستعراض النقدي المهم لكتاب ( تجربتي مع الآخرين)
// يضعنا كاظم المقدادي ، ازاء طقس الكتابة الصحفية، وكأنه يكشف عبر وعيه النقدي رؤية ساخرة للواقع، إذ يضع الحدث والخبر والمعلومة «على سطح صفيح ساخن» حيث يتعرّى المخفي، وحيث يتحول الصحفي الى «بطل ملحمي» يواجه البداهات، عبر وعيه الصاخب، وعبر سؤاله النقدي، وعبر الحفر في مستويات ما يُخفيه من صراعات ومفارقات، وما يتوارى خلفه من استعارات، ومن سرديات، مارس من خلالها المقدادي لعبته الحاذقة، في اشهارَ خطابه النقدي، وفي شطارة من اراد أن يُعرّي المكبوت السياسي والاجتماعي، حيث يتحول الخطاب الى وسيلة في المناورة، وفي تحويل لغة الخطاب الصحفي الى لغة موازية، لكنها مفخخة، تصلح للمفارقة في الحكي والنقد والسخرية. لغة المقدادي ليست حيادية، وليست بريئة، فبقدر نزوعها لتمثيل عين الكاميرا، في التعاطي مع التفاصيل، فإنها تملك طاقة خبيئة، ولغة نافرة، تجعله الأقرب الى لغة «صانع الخطابات» الذي يعرف أن مقاربة الحدث السياسي تحتاج الى جرعات عالية من الصراحة والحرية، والى حزمة من المجازات، ليس للإضمار فقط، بل لإشباع فضول القارىء، وتحريضه على البحث عن المزيد من المخفيات، عبر توظيفه لمجسِّ الخبير الذي يرى بعين الناقد، ويكتب بخبرة العارف، حيث يتجاوز الوثيقة الى سرد مجازها، والى اثارة السجال حول حمولتها الرمزية، لا سيما وأن الحدث السياسي العراقي مُشبع بالمجازات، رغم أنه حدثٌ صاخب، مثلما أن الحدث الاجتماعي غامر بتناقضات كبيرة، وكلاهما يستدعيان اسئلة « الصحفي المشاغب» الباحث عن «الزبدة» فيدس قلمه في التفاصيل، وعلى نحوٍ يجعل من «عموده» الصحفي/ عمود الرأي له خصوصية نقدية، واسلوب له طقوسه، هي الاقرب الى مغامرة «الصحفي الاستقصائي» المهجوس بالحقيقة، وبالتحري عن المحذوف منها، حيث إثارة شغف القارىء، وحيث مطاردة الحدث، وحيث تحويل الخطاب الى شاهدٍ مُستَفز، يجعل من الكتابة وكأنها مغامرة أو رحلة اخطار في زمن عراقي يحتاج «حطابين» اكثر من حاجته الى «عرضحلجية» يتجاوز المقدادي خطاب «عرض الحال» الى تحليل الحدث والظاهرة والخبر، كاشفا عمّا يجاورها من خفايا، ومن توريات، فيجد في خطاب السخرية وسيلة ناجعة للنقد، وللتعبير عن الهموم العامة والحكايات اليومية، وعن الاسرار التي تغلق الباب على صاحبها، وهي ما تدفعه الى التشبيك بين لغة السرد، ولغة الصحفي، ليس لملاحقة الحدث، وتقشير حكايته، بل للكشف عمّا يحمله، وعما يُخفيه من تناقضات تمور في الواقع السياسي، وفي الواقع الاقتصادي نفسه، حتى يبدو وكأنه يتلبّس قناع كاتب الرسائل، والحكواتي الساخر الذي يجد في تناقضات الحدث استفزازا لذاكرته، وتحريضا على وضعه في مختبره الصحفي، بغاية تشريحه، عبر ادوات النقد، والسخرية، وعبر جهازه المفاهيمي الذي يمنح الخطاب قوة في المنهج، وفي التوصيف، والدلالة، إذ يكشف المقدادي عن خبرة الصحفي العليم والاكاديمي، والعارف بأسرار صناعة الخطاب، وفي تحويله الى شهادة رفض، أو احتجاج، أو وعي مسكون بهاجس الاغتراب ازاء ما يجري..
صحافة النقد، أو صحافة السخرية من «الصحافات الصعبة» لأنها تستعير ادوات الصحافة التقليدية من جانب، لكنها تحتاز على ادوات الناقد وجهازه من جهة أخرى. هذه الثنائية جعلت من لغة المقدادي لها طعم خاص، وجاذبية مثيرة، حتى تبدو وكأنها مساءلة، أو مواجهة مفتوحة مع الواقع، فاضحة ما يجري، ومحرضة على نقد الظاهرة السياسية، ومظاهر الفساد والعجز والرثاثة الاجتماعية، وحتى مواجهة بعض الشخصيات دون اقنعة، عبر لغة تميل الى الكثافة، حيث صدمة المفارقة، وحيث مخيال السارد، وجرأة الساخر الذي تتحول بين يديه الاحداث الى طقوس تدفع الى البحث عما يقمعه اصحاب الشأن في ادارة احوال الناس، وفي تغطية الفساد والتضليل في عوالم السياسة والاقتصاد والاجتماع.
في كتاب المقدادي سنقرأ بعضا من يوميات المكان، ومن سيرة الزمن العراقي، عبر التقاطات واقعية، وعبر احداث اختارها لتمثيل سردياته الصحفية، ولما يطرحه من اسئلة لاذعة وحادة، يتجوهر عبرها اسلوبه المميز في الصحافة الساخرة، حيث الخطاب الذي يدس «انفه في الوقائع، حتى يبدو وكأنه كوميديا سوداء، يتعرى فيه الحدث من اغطيته الثقيلة، ومن لغته الثقيلة، فتبدو خفته منعشة وشهية وباعثة على الاثارة والاستقصاء، وعلى نحوٍ يجعل من سخريته اسلوبا لوذعيا، له سماته الخاصة، وله رؤيته التي تستدعي قارئا يبحث عن «ماوراء الخبر» أو «ماوراء الحديث» مسكونا بهواجس عدّاء المارثون، وهو يكشف عن تناقضات الواقع، وعن مراثي شخصياته الذين يشبهون " ابطال المسافات الطويلة " التي تحدث عنها عبد الرحمن منيف، وهو يبحث عما يخفيه الزمن السياسي من عيوب وعلل، أو ما يفضحه الواقع الرمادي وهو يجرّ عربة السياسة الى حيث الفراغ، أو الى حيث الجحيم.

صور مميزة