كتابة : إيمان البستاني منذ الصباح عادت إلى ذاكرتي صور قديمة لا أعرف ما الذي استدعاها بعد كل هذه السنوات.

Iman A Albostani
كتابة : إيمان البستاني
منذ الصباح عادت إلى ذاكرتي صور قديمة لا أعرف ما الذي استدعاها بعد كل هذه السنوات.
أتذكر جدتي كانت تصحبني، وأنا لم أتجاوز بعد أصابع اليد الواحدة من العمر، إلى مقبرة بين البيوت ترتفع عن الأرض كأنها سرير واسع ينام فيه الراحلون. كان الطريق إليها يتلوى بين الأزقة الضيقة في الموصل القديمة ، و لا اعرف كيف كانت تجد سبيلها إليها بلا عناء، كأن خطواتها تحفظ الطريق أكثر مما تحفظه ذاكرتها.
كنا نصل فتجلس أمام قبر لا أعرف صاحبه، ثم تبكي بحرقة موجعة، بكاءً لا يشبه دموع العابرين، بل يشبه وجعًا قديماً ظل يسكنها ولم يغادرها يومًا. وبعدها نعود إلى الدار صامتين، يمشي الحزن معنا كأنه فرد ثالث يرافقنا.
وكان المشهد يعاد بطريقة أخرى إذا صادف أن حمل المذياع صوت المطرب الريفي داخل حسن؛ عندها كانت تنفتح أبواب الحزن من جديد، ويعود البكاء كما لو أن الزمن لم يمضِ.
كبرتُ بعد ذلك وعرفت أن كل ذلك الحزن كان لأخيها الذي قُتل في حادثة الشواف. أما أخوها الآخر فقد كان سجينًا لسنوات في أحد سجون الموصل بجريرة انتمائه للحزب الشيوعي ، وكنت أذهب معها لزيارته. وما زالت صورة المكان عالقة في ذاكرتي: ساحة واسعة يجتمع فيها رجال يرتدون بيجامات موحدة، يجلسون في حلقات مع عائلاتهم.
وكان نصيبي من ذلك الخال حفنة من النقود المعدنية الصغيرة تملأ كفّي والتي كانت تسعدني أكثر من أي شيء آخر. لكن تلك الزيارات انتهت بالنسبة لي بعد موقف طفولي عابر. فقد كانت أختي الصغيرة تقفز وتلعب بجانبي، فصرخت بها بعفوية: «اجلسي، يا فوضوية».
ساد الصمت للحظة، والتفتت إليّ الوجوه بنظرات عتب غريبة لم أفهمها آنذاك. ولم يكن في الأمر ما يثير العجب؛ فقد شتمت الحاضرين، من حيث لا أدري، في قلب سجنهم نفسه، إذ كانت تلك الكلمة يومها صفةً تُلصق بالشيوعيين. كل هذا لم أعرفه إلا بعد سنوات طويلة.
أتذكر أيضًا والد جدتي، وما زالت صورته باقية في ذاكرتي رغم كل تلك السنوات. كان يشبه أحد أبطال المسلسلات الشامية القديمة؛ رجلًا ضخم البنية، مهيب الحضور، جميل الملامح، يلبس الزبون والصاية بألوان فاتحة دائماً ، فتزيده وقارًا وهدوءًا.
لكن أكثر ما علق في ذاكرتي عنه لم يكن هيبته ، بل ذلك الجيب الذي كان يخفي لي مفاجأته الصغيرة؛ قطعة حلوى يحتفظ بها دائمًا، كأنها نصيبًا ثابتًا من حنانه. يوم مات نادت النساء في العزاء على والدتي لإسكاتي قائلين سيقتلها البكاء .
أما زوجته، والدة جدتي، فكان اسمها مريم. وكانت الحكايات تقول إنها كانت زوجته الثانية، وأنه جاء بها من حلب بعدما وزنها بالذهب. لا أعرف كم في الحكاية من الحقيقة وكم فيها من زينة الذاكرة، لكنها وصلت إلينا كما تُروى الأشياء القديمة دائمًا.
كانت طويلة القامة، رشيقة، ترتدي العباءة والبوشية التي تخفي بياض وجهها. كان الصمت صفتها المميزة لكن أكثر ما بقي منها، حتى بعد رحيلها، منظر شعرها الأحمر النحاسي الذي يبدو أن الزمن لم يأخذه معه كله، بل أورثته لجدتي ولوالدتي ثم لي ؛ شيء لا يُروى فقط بل يُرى في المرايا … ولم يرثه الباقون حتى ولا شقيقتي الوحيدة الفوضوية
كتابة : إيمان البستاني
منذ الصباح عادت إلى ذاكرتي صور قديمة لا أعرف ما الذي استدعاها بعد كل هذه السنوات.
أتذكر جدتي كانت تصحبني، وأنا لم أتجاوز بعد أصابع اليد الواحدة من العمر، إلى مقبرة بين البيوت ترتفع عن الأرض كأنها سرير واسع ينام فيه الراحلون. كان الطريق إليها يتلوى بين الأزقة الضيقة في الموصل القديمة ، و لا اعرف كيف كانت تجد سبيلها إليها بلا عناء، كأن خطواتها تحفظ الطريق أكثر مما تحفظه ذاكرتها.
كنا نصل فتجلس أمام قبر لا أعرف صاحبه، ثم تبكي بحرقة موجعة، بكاءً لا يشبه دموع العابرين، بل يشبه وجعًا قديماً ظل يسكنها ولم يغادرها يومًا. وبعدها نعود إلى الدار صامتين، يمشي الحزن معنا كأنه فرد ثالث يرافقنا.
وكان المشهد يعاد بطريقة أخرى إذا صادف أن حمل المذياع صوت المطرب الريفي داخل حسن؛ عندها كانت تنفتح أبواب الحزن من جديد، ويعود البكاء كما لو أن الزمن لم يمضِ.
كبرتُ بعد ذلك وعرفت أن كل ذلك الحزن كان لأخيها الذي قُتل في حادثة الشواف. أما أخوها الآخر فقد كان سجينًا لسنوات في أحد سجون الموصل بجريرة انتمائه للحزب الشيوعي ، وكنت أذهب معها لزيارته. وما زالت صورة المكان عالقة في ذاكرتي: ساحة واسعة يجتمع فيها رجال يرتدون بيجامات موحدة، يجلسون في حلقات مع عائلاتهم.
وكان نصيبي من ذلك الخال حفنة من النقود المعدنية الصغيرة تملأ كفّي والتي كانت تسعدني أكثر من أي شيء آخر. لكن تلك الزيارات انتهت بالنسبة لي بعد موقف طفولي عابر. فقد كانت أختي الصغيرة تقفز وتلعب بجانبي، فصرخت بها بعفوية: «اجلسي، يا فوضوية».
ساد الصمت للحظة، والتفتت إليّ الوجوه بنظرات عتب غريبة لم أفهمها آنذاك. ولم يكن في الأمر ما يثير العجب؛ فقد شتمت الحاضرين، من حيث لا أدري، في قلب سجنهم نفسه، إذ كانت تلك الكلمة يومها صفةً تُلصق بالشيوعيين. كل هذا لم أعرفه إلا بعد سنوات طويلة.
أتذكر أيضًا والد جدتي، وما زالت صورته باقية في ذاكرتي رغم كل تلك السنوات. كان يشبه أحد أبطال المسلسلات الشامية القديمة؛ رجلًا ضخم البنية، مهيب الحضور، جميل الملامح، يلبس الزبون والصاية بألوان فاتحة دائماً ، فتزيده وقارًا وهدوءًا.
لكن أكثر ما علق في ذاكرتي عنه لم يكن هيبته ، بل ذلك الجيب الذي كان يخفي لي مفاجأته الصغيرة؛ قطعة حلوى يحتفظ بها دائمًا، كأنها نصيبًا ثابتًا من حنانه. يوم مات نادت النساء في العزاء على والدتي لإسكاتي قائلين سيقتلها البكاء .
أما زوجته، والدة جدتي، فكان اسمها مريم. وكانت الحكايات تقول إنها كانت زوجته الثانية، وأنه جاء بها من حلب بعدما وزنها بالذهب. لا أعرف كم في الحكاية من الحقيقة وكم فيها من زينة الذاكرة، لكنها وصلت إلينا كما تُروى الأشياء القديمة دائمًا.
كانت طويلة القامة، رشيقة، ترتدي العباءة والبوشية التي تخفي بياض وجهها. كان الصمت صفتها المميزة لكن أكثر ما بقي منها، حتى بعد رحيلها، منظر شعرها الأحمر النحاسي الذي يبدو أن الزمن لم يأخذه معه كله، بل أورثته لجدتي ولوالدتي ثم لي ؛ شيء لا يُروى فقط بل يُرى في المرايا … ولم يرثه الباقون حتى ولا شقيقتي الوحيدة الفوضوية
