أخبار قناة الشمس

×

اضغط هنا إن لم يقم المتصفح بتحويلك آليًا.

اللغة العربية والتحولات الرقمية: تحديات وآفاق د/ سحر أبو الحمد عبد الرحمن محمد الخولي،

اللغة العربية والتحولات الرقمية: تحديات وآفاق د/ سحر أبو الحمد عبد الرحمن محمد الخولي،
 اللغة العربية والتحولات الرقمية: تحديات وآفاق
تشهد اللغة العربية في مطلع الألفية الثالثة تحولاً نوعياً بفعل الثورة الرقمية التي أعادت تشكيل وسائل التواصل، وإنتاج المعرفة، وتداول النصوص ،فبعد أن ظلت لقرون لغة المخطوطات والدواوين والمجالس، وجدت العربية نفسها أمام فضاء جديد تحكمه الخوارزميات، والشاشات، وسرعة التدفق المعلوماتي.

هذا التحول يحمل في طياته فرصاً وتحديات في آن معاً: فمن جهة، أتاح الإنترنت وتقنيات الذكاء الاصطناعي للغة العربية منابر أوسع، ومكّن ملايين المتحدثين بها من التعبير والنشر والتعلّم خارج الحدود الجغرافية ، ومن جهة أخرى، فرضت البيئة الرقمية أسئلة لغوية وتقنية دقيقة تتعلق بجودة المحتوى العربي، ودقة المعالجة الحاسوبية للبنية الصرفية والنحوية للعربية، وقدرة الفصحى على استيعاب مستجدات المصطلح العلمي والتقني.

إن النظر إلى علاقة اللغة العربية بالتحولات الرقمية ليس ترفاً نظرياً، بل هو مسار ضروري لفهم مستقبل حضور العربية في العصر المعلوماتي، وسبل تمكينها من أداء دورها الحضاري والمعرفي في عالم يزداد اعتماداً على اللغة كمدخل أساسي للتفاعل بين الإنسان والآلة.
كماتشهد اللغة العربية في العصر الراهن منعطفاً مهماً بفعل التحولات الرقمية المتسارعة التي غيّرت أنماط إنتاج المعرفة وتداولها ،فقد انتقلت اللغة من حيّز المخطوطات والمجالس إلى فضاء الشاشات والشبكات، مما فرض عليها أسئلة جديدة تتعلق بحضورها، وجودتها، وقدرتها على مواكبة التقنية دون التفريط في خصائصها.

١. حضور اللغة العربية في الفضاء الرقمي

ازداد حضور المحتوى العربي على الإنترنت خلال العقدين الماضيين بوتيرة ملحوظة ، حيث صارت المنصات الرقمية، ومواقع التواصل، والمدونات، والصحافة الإلكترونية قنوات رئيسة لنشر النص العربي، كما أسهمت تطبيقات المراسلة والتعليق الصوتي في تعزيز الاستخدام اليومي للغة، غير أن هذا الحضور ما زال دون المستوى المنشود مقارنةً بحجم المتحدثين بالعربية، إذ تُقدَّر نسبة المحتوى العربي على الويب بأقل من 3% من إجمالي المحتوى الرقمي العالمي، وفق إحصاءات اليونسكو لعام 2023.

٢. أبرز التحديات اللغوية والتقنية

تواجه اللغة العربية في البيئة الرقمية جملة من التحديات تتمثل في:
- المعالجة الحاسوبية: تعقيد الصرف والنحو، والتشكيل، وخط الربط بين الحروف، يجعل بناء نماذج معالجة لغوية دقيقة للعربية أصعب من اللغات ذات البنية الأبسط.
- التعريب والتوطين: كثير من الواجهات التقنية والبرمجيات لا تدعم الكتابة من اليمين إلى اليسار بشكل كامل، أو تفتقر إلى خطوط عربية عالية الجودة.
- العامية مقابل الفصحى: طغيان اللهجات العامية في المحتوى الرقمي التفاعلي يقلل من تعرض الأجيال الجديدة لنصوص الفصحى، مما قد يؤثر في التمكن اللغوي على المدى البعيد.
- غياب المصطلحات الموحدة: في مجالات العلوم والتقنية، ما زال غياب معجم مصطلحي عربي موحّد يبطئ من إنتاج المحتوى التخصصي.

٣. الفرص التي يتيحها التحول الرقمي

في المقابل، يفتح التحول الرقمي آفاقاً واعدة تتمثل في :
- الذكاء الاصطناعي: تطوير نماذج لغوية كبيرة مدرّبة على العربية يعز الترجمة الآلية، والتلخيص، وتوليد النص، والتدقيق اللغوي.
- الرقمنة والأرشفة: تحويل المخطوطات والتراث العربي إلى نصوص رقمية قابلة للبحث يسهّل وصول الباحثين إلى المصادر الأصيلة.
- التعليم عن بعد: المنصات التعليمية العربية تتيح نشر قواعد اللغة والأدب والنحو لجمهور أوسع خارج حدود المدارس التقليدية.
- الخط العربي الرقمي: تطور تصميم الخطوط العربية المتغيرة والمتفاعلة يمنح المصممين أدوات جديدة للحفاظ على جمالية الخط مع ملاءمتها للشاشات.

٤- سبل التعزيز والتطوير

لضمان حضور أقوى للعربية في العصر الرقمي، لا بد من:
١. دعم البحث في المعالجة اللغوية العربية وتمويل مشاريع مفتوحة المصدر.
٢. توحيد الجهود المعجمية لإنتاج قواميس مصطلحات علمية وتقنية محدثة.
٣. إدماج تعليم الفصحى الرقمي في المناهج، مع توظيف الألعاب والتطبيقات التفاعلية.
٤. تشجيع صناعة المحتوى العربي الجاد على المنصات الرقمية عبر سياسات تحفيزية واضحة.

خاتمة
والحقيقة التي لامراء فيها هي أن التحول الرقمي فرض على اللغة العربية أن تختار، إمّا أن تكون ضيفةً في فضاءٍ صنعه غيرها، وإمّا أن تكون صانعةً له بأدواتها.
وضعف حضورها اليوم سببه قلّة المحتوى الأصيل، وضعف الأدوات الذكية، وطرائق تعليمٍ عزلتها عن روح العصر.
وعلاج ذلك يكمن في ،إنتاج محتوى رقمي جاذبٍ بالفصحى، وبناء نماذج ذكاءٍ اصطناعيٍ عربية، وربط تعليم اللغة بمهارات المستقبل.
والأفق الذي ننشده ليس حرباً مع الإنجليزية، بل ثنائيةً راشدة: لغةٌ للعالم، ولغةٌ للهوية.
فالعربية قادرةٌ أن تكون لغة الإنسان والآلة معاً، إذا كتبناها نحن، ولم ننتظر أن تُكتب عنّا.
وفيما يبدو لي أن التحول الرقمي ليس تهديداً للغة العربية، بل اختبار لقدرتها على التجدد ، كما إن نجاح العربية في هذا العصر مرهون بمدى استثمار أهلها لأدوات التقنية، وتعاون المؤسسات الأكاديمية والتقنية والإعلامية، وإيمان المجتمع اللغوي بأن الفصحى قادرة على حمل معارف العصر كما حملت علوم الأقدمين.
بقلم / د/ سحر أبو الحمد عبد الرحمن محمد الخولي، دكتوراة في الآداب قسم اللغة العربية وآدابها ، جامعة سوهاج.

صور مميزة