أخبار قناة الشمس

×

اضغط هنا إن لم يقم المتصفح بتحويلك آليًا.

الحافظ خليل إسماعيل.. حين أصبحت الأنغام العراقية لغةً للقرآن بقلم: د. وليد حسن الحديثي

الحافظ خليل إسماعيل.. حين أصبحت الأنغام العراقية لغةً للقرآن بقلم: د. وليد حسن الحديثي
 الحافظ خليل إسماعيل.. حين أصبحت الأنغام العراقية لغةً للقرآن
بقلم: د. وليد حسن الحديثي
اقدم لكم اليوم واحد من قراء القرآن الكريم، و قد نحت سمعته و اقتداره في صخور الإيمان و العقيدة الخالصة لوجه الله.
هناك أصواتٌ تُسمع، وأصواتٌ تسكن الذاكرة، وأصواتٌ تتحول مع الزمن إلى جزء من هوية المكان وذاكرته الثقافية.
ومن بين تلك الأصوات الخالدة في العراق، يبرز صوت الحافظ خليل إسماعيل رحمه الله، ذلك القارئ الذي لم يكن مجرد حافظٍ لكتاب الله أو مجوّدٍ لآياته، وإنما كان مدرسةً قائمة بذاتها في التلاوة العراقية، ورائداً من أبرز رواد المدرسة الإقرائية البغدادية التي جعلت من النغم والمقام وسيلةً لخدمة النص القرآني دون أن تطغى عليه.
ولذلك لم يكن غريباً أن يُلقب بـ «بستان الأنغام العراقية»، وأن يُعد عند كثير من أهل الاختصاص أحد أهم المراجع في التلاوة العراقية والمقامات. وقد وصفه الموسيقار العراقي الكبير محمد القبانجي بأنه «بستان الأنغام العراقية الأصيلة». (الجزيرة نت⁠)
من بغداد إلى ذاكرة القرآن
ولد الحافظ خليل إسماعيل عام 1920 في بغداد، في جانب الكرخ في منطقة سوق حمادة ، وبدأت علاقته بالقرآن الكريم في سن مبكرة، فحفظه وأتقن تلاوته وعلوم التجويد والقراءة.
ورغم فقدانه بصره في طفولته، لم يكن ذلك عائقاً أمام مسيرته العلمية والقرآنية؛ بل مضى في طريقه حتى أصبح واحداً من أشهر قراء العراق.
وفي عام 1941 صدح صوته للمرة الأولى عبر الإذاعة العراقية، ثم نال عام 1942 لقب «الحافظ» بعد تفوقه في مسابقة للقراء شملت الحفظ والقراءة وأحكام التلاوة. ومنذ ذلك الوقت ارتبط اسمه بالإذاعة العراقية وبالذاكرة الصوتية لبغداد. (الجزيرة نت⁠)
مدرسة الأنغام
ما يميز الحافظ خليل إسماعيل عن كثير من القراء أنه لم يتعامل مع المقام بوصفه زخرفةً صوتية، وإنما جعله جزءاً من البناء التعبيري للتلاوة.
كان ينتقل من مقام إلى آخر، ومن فرع إلى فرع، ومن وصلة إلى أخرى، بمرونة مذهلة، دون أن يشعر المستمع بأن الانتقال مصطنع أو خارج عن السياق.
وهنا تكمن عبقريته.
فقد كان المقام عنده خادماً للآية، وليس الآية خادمة للمقام.
كان يقرأ آيات الرحمة بروح مختلفة عن آيات الوعيد، ويستثمر المساحات الصوتية والنغمية في تصوير المعنى وإيصال الحالة الروحية للنص إلى المستمع.
وقد أظهرت دراسة أكاديمية منشورة في مجلة «الأكاديمي» بجامعة بغداد أن هناك تأثيراً كبيراً للمقام العراقي في تلاوة الحافظ خليل إسماعيل، وأن مجمل تلاوته يرتكز على أنغام المقام العراقي. (JCOF Arts⁠)
عبقرية الانتقال بين المقامات
إن الحديث عن الحافظ خليل إسماعيل لا يكتمل من دون الحديث عن قدرته الاستثنائية على الانتقال بين المقامات.
فهو لم يكن أسير مقام واحد، بل كان يمتلك معرفة واسعة بالمقامات العراقية وفروعها ووصلاتها، واستطاع أن يجعل هذه المعرفة جزءاً من نسيج التلاوة.
ولهذا أصبحت بعض تلاواته أشبه برحلة نغمية متكاملة؛ يبدأ من مقام، ثم ينتقل إلى آخر، ثم يعود إلى المقام الأول، وكل ذلك في وحدة موسيقية متماسكة لا يشعر معها المستمع بانقطاع أو اضطراب.
وتشير مصادر متخصصة إلى أنه كان يجيد المقامات الرئيسية وفروعها، بل وصل في بعض الروايات إلى استخدام عشرات الأنغام والمقامات والوصلات، الأمر الذي جعل تجربته واحدة من أكثر التجارب تعقيداً وثراءً في التلاوة العراقية. (الجزيرة نت⁠)
ومن هنا جاءت تسميته «مدرسة الأنغام».
التجويد أولاً
لكن العبقرية الحقيقية للحافظ خليل إسماعيل لم تكن في كثرة المقامات التي يعرفها، وإنما في قدرته على الجمع بين علم التجويد وجمال الأداء النغمي.
فالقرآن عنده ليس ميداناً لاستعراض القدرة الصوتية، وإنما كلام الله الذي يجب أن تُصان حروفه ومخارجها وأحكامه.
وقد عُرف عنه إتقانه لمخارج الحروف وأحكام التجويد، حتى أصبح أداؤه عند المختصين معياراً مهماً للتلاوة العراقية الصحيحة. (الجزيرة نت⁠)
وهذه نقطة جوهرية؛ لأن القارئ قد يمتلك صوتاً جميلاً، وقد يمتلك معرفة بالمقامات، لكن الجمع بين سلامة التلاوة، ودقة التجويد، وقوة الصوت، والقدرة على تصوير المعنى، والانتقال بين المقامات هو ما جعل الحافظ خليل إسماعيل حالة استثنائية.
صوت بغداد
كان لصوته شيء من بغداد.
فيه شجن المدينة القديمة، وهدوء دجلة، وروح المساجد العتيقة، وذاكرة المحافل القرآنية التي عرفتها بغداد.
ولهذا ارتبطت تلاوته بما يسمى القراءة البغدادية ذات الطابع الشجي، وهي سمة جعلت صوته قادراً على الوصول إلى القلب قبل الأذن. (الجزيرة نت⁠)
وكانت المآذن والمساجد والإذاعة العراقية ساحاتٍ لهذا الصوت الذي عرفه العراقيون جيلاً بعد جيل.
ولم يقتصر حضوره على العراق؛ فقد قرأ في المسجد النبوي والمسجد الأقصى، وحمل معه صوت العراق وطريقته في التلاوة إلى خارج البلاد. (الجزيرة نت⁠)
الحافظ الذي لم يكن مجرد مقلد
ثمة فرق كبير بين قارئ يجيد تقليد مدرسة موجودة، وقارئ يؤسس أسلوباً يصبح هو نفسه مدرسة.
وهنا تكمن أهمية الحافظ خليل إسماعيل.
فقد كان، بحسب شهادات تلامذته والباحثين في تجربته، مؤصلاً للطريقة العراقية في التلاوة، وليس مجرد واحد من قرائها.
وتصفه شهادات حديثة بأنه كان يمتلك ذاكرة واسعة للنغم، وأنه استطاع أن يحول الأداء العراقي من اجتهادات فردية إلى أسلوب واضح المعالم، قائم على التداخل بين التلاوة وأصول المقام العراقي. (الجزيرة نت⁠)
ولعل هذا هو السبب في أن صوته ظل مرجعاً لكل من أراد أن يتعرف إلى أصول التلاوة العراقية.
إرثٌ يخشى عليه من الغياب
رحل الحافظ خليل إسماعيل في بغداد في 5 يوليو/تموز 2000، بعد عمر حافل بالقرآن والتلاوة والتعليم والإمامة، لكن صوته لم يرحل.
فالتراث الحقيقي لا يموت بموت صاحبه.
واليوم، وبعد عقود من رحيله، لا تزال تسجيلاته تُسمع، ولا يزال القراء يستمعون إلى تلاواته ليتعلموا منها، ولا تزال طريقته في التعامل مع المقام والنغم موضع دراسة واهتمام. (الجزيرة نت⁠)
غير أن السؤال الذي ينبغي أن نطرحه اليوم هو:
هل حفظ العراق مدرسة الحافظ خليل إسماعيل كما حفظ الحافظ القرآن؟
إن الإجابة تحتاج إلى مشروع ثقافي وقرآني حقيقي، يقوم على جمع تسجيلاته، وفهرستها، وتحليل مقاماتها، وتوثيق أسلوبه، وتسجيل شهادات تلاميذه، وإنشاء مدرسة أو مركز متخصص في التلاوة العراقية.
فالمسألة ليست مجرد حفظ تسجيلات لقارئ عظيم؛ بل هي حفظ جزء من الذاكرة الثقافية والصوتية للعراق.
الحافظ خليل إسماعيل.. ذاكرة وطن
كان الحافظ خليل إسماعيل واحداً من أولئك العراقيين الذين حملوا العراق في أصواتهم.
لم يكن صوته مجرد صوت قارئ؛ كان صورةً من صور بغداد، وكان المقام العراقي في خدمة القرآن، وكانت الحنجرة وسيلةً لتجسيد المعنى الروحي للآية.
لقد جمع بين الحافظ والعالم والقارئ والفنان صاحب الحس النغمي، لكنه بقي في النهاية خادماً للقرآن، وهذا هو سر خلوده.
رحم الله الحافظ خليل إسماعيل.
رحم الله قارئاً جعل من صوته جسراً بين القرآن وبغداد، وبين التجويد والمقام، وبين النص والمعنى.
وسيظل صوته شاهداً على أن العراق لم يكن أرض الحضارات القديمة فحسب، بل كان أيضاً أرضاً أنجبت مدارس قرآنية وصوتية وفنية متميزة، تستحق أن تُحفظ للأجيال.
تشرفت بلقائه منذ صغري فهو جارنا ، و قد شرف مجلس عزاء والدي رحمه في يوم 11-8-1990 و قرأ ما يتيسر من القرآن الكريم.
الحافظ خليل إسماعيل لم يقرأ القرآن بالمقام العراقي فحسب؛ بل جعل المقام العراقي ينحني إجلالاً أمام القرآن.
رحمه الله برحمته الواسعة و جزاه الله خيرا وجعل قبره روضه من رياض الجنة و اسكنه الفردوس الأعلى.

صور مميزة