أخبار قناة الشمس

×

اضغط هنا إن لم يقم المتصفح بتحويلك آليًا.

اقتصاد المظاهر والشكليات في الزيارات الحكومية... حين تلتهم البروتوكولات أموال التنمية

بقلم: د. ماجدة مصطفى صادق- عميد كلية الاقتصاد والدراسات المالية والمصرفية - جامعة السودان العالمية

اقتصاد المظاهر والشكليات في الزيارات الحكومية... حين تلتهم البروتوكولات أموال التنمية
 
اقتصاد المظاهر والشكليات في الزيارات الحكومية...

حين تلتهم البروتوكولات أموال التنمية

بقلم: د. ماجدة مصطفى صادق- عميد كلية الاقتصاد والدراسات المالية والمصرفية - جامعة السودان العالمية


في الدول التي تعاني من ضيق الموارد، لا تُقاس كفاءة الحكومات بعدد المواكب الرسمية، ولا بحجم اللافتات التي تزين الشوارع، ولا بعدد السيارات الفارهة التي ترافق المسؤولين في زياراتهم الميدانية، وإنما تُقاس بقدرتها على توجيه كل جنيه إلى ما يعود بالنفع المباشر على المواطن.

النزيف المالي للترتيبات البروتوكولية
لقد أصبح من اللافت أن بعض الزيارات الحكومية تتحول إلى مناسبات بروتوكولية مكلفة، تُستنزف فيها الأموال العامة في ترتيبات شكلية لا تضيف قيمة اقتصادية حقيقية. فعمليات التجهيز والاستقبال، وإغلاق الطرق، وتحريك عشرات المركبات، وإعداد الاحتفالات، وطباعة اللافتات، واستنفار الأجهزة المختلفة، جميعها تمثل تكلفة اقتصادية قد لا يلتفت إليها كثيرون، لكنها في حقيقتها تُحمّل الموازنة العامة أعباءً إضافية.
العائد الاقتصادي مقابل التكلفة المباشرة
إن الاقتصاد لا ينظر إلى الإنفاق من زاوية حجمه فقط، بل من زاوية العائد. والسؤال المشروع هو: ماذا تحقق هذه النفقات للمواطن؟ وهل كان بالإمكان توجيهها إلى مدرسة تحتاج إلى مقاعد، أو مستشفى يفتقر إلى الأجهزة، أو مشروع مياه يخدم آلاف الأسر؟
إن الدول التي حققت نهضتها الاقتصادية لم تبنِ نجاحها على استعراض السلطة، وإنما على ترسيخ ثقافة البساطة والانضباط المالي. فالمسؤول الناجح لا يحتاج إلى موكب طويل ليؤكد مكانته، بل يحتاج إلى قرارات فعالة ونتائج ملموسة يشعر بها المواطن في حياته اليومية.
مخاطر الإنفاق الشكلي في أوقات الأزمات
وتزداد خطورة هذه الظاهرة في الدول التي تواجه تحديات اقتصادية كبيرة، حيث ترتفع معدلات التضخم، وتتراجع الإيرادات، ويزداد الضغط على المالية العامة. ففي مثل هذه الظروف يصبح كل إنفاق غير ضروري عبئًا إضافيًا على الاقتصاد الوطني، ويؤثر بصورة غير مباشرة على الخدمات الأساسية والاستثمار والتنمية.
إن ترشيد الإنفاق الحكومي لا يعني التقليل من هيبة الدولة، بل يعكس احترام المال العام وتعزيز مبادئ الحوكمة والشفافية. فالهيبة الحقيقية تُبنى على الكفاءة، وسرعة الإنجاز، والالتزام بخدمة المواطنين، وليس على كثرة المراسم والمظاهر.
تحويل الزيارات إلى عمل فعلي
واليوم، أصبح من الضروري إعادة النظر في فلسفة الزيارات الحكومية، بحيث تتحول من مناسبات احتفالية إلى زيارات عمل حقيقية، تعتمد على فرق صغيرة، وتستفيد من التقنيات الحديثة في المتابعة والتواصل، مع تقليل النفقات التشغيلية إلى الحد الأدنى.
إن الاقتصاد الوطني لا يحتمل المزيد من الإنفاق على الشكليات، خصوصًا في ظل الاحتياجات المتزايدة للتعليم والصحة والبنية التحتية ودعم الإنتاج. فكل مبلغ يُوفَّر من المصروفات غير الضرورية يمكن أن يتحول إلى استثمار في الإنسان، أو إلى مشروع تنموي يخلق فرص عمل ويحسن مستوى المعيشة.
ثقافة الإدارة العامة والمسؤولية الوطنية
إن الإصلاح الاقتصادي يبدأ من التفاصيل الصغيرة قبل القرارات الكبرى. وعندما تصبح البساطة ثقافة في الإدارة العامة، ويُعامل المال العام باعتباره أمانة لا مجال لإهدارها، عندها فقط يمكن أن نؤسس لدولة قوية، واقتصاد أكثر كفاءة، وتنمية أكثر عدالة.
وييبقى السؤال الذي ينبغي أن يطرحه كل مسؤول قبل أي زيارة: هل ما ننفقه اليوم سيترك أثرًا اقتصاديًا وتنمويًا يبرر تكلفته؟ فإذا كانت الإجابة بالنفي، فإن الواجب الوطني يقتضي إعادة ترتيب الأولويات، لأن الأمم لا تتقدم بالمظاهر، وإنما تتقدم بحسن إدارة مواردها، واحترام المال العام، ووضع المواطن في مقدمة كل قرار اقتصادي.

صور مميزة