كم أصبحت الحياةُ رتيبة حدّ أنّ الإنسان لم يعقد يفرق بين صباح يولد، وآخر يدفن بصمته في ذاكرته.

كم أصبحت الحياةُ رتيبة حدّ أنّ الإنسان لم يعقد يفرق بين صباح يولد، وآخر يدفن بصمته في ذاكرته.
الأيام تمضي متشابهة كأنها نسخ باهتة من بعضها، والوجوه تعبنا دون أثر، والأحاديث تعاد حتى فقدت دهشتها الأولى، حتى صرنا نعيش العمر لا لأننا نرغب في ذلك، بل لأن الساعة تواصل دورانها رغم تعب الأرواح.
أحيانا أجلس أمام الورقة كمن يجلس أمام نافذة نجاة، فأجد في الكتابة متعة لا تشبه شيئًا آخر.
أهرب إلى الحروف كما يهرب الغريق إلى آخر خشبة في البحر، ارتكب الكلمات لا لأشهر أحدًا، بل لا عيد ترتيب الفوضى داخلي.
أكتب لأن الحياة في الخارج صاخبة أكثر مما ينبغي، بينما النص يمنحني تلك العزلة النبيلة التي لا تؤذي أحدًا.
أصوغ فكرة من وجع صغير، وأحوال التعب إلى جملة، والانكسار إلى استعارة، الخذلان إلى نصوص طويل يشبهني أكثر مما تشبهني صور الواقع.
ثم اشرب…
أرفع عيني نحو السماء كأنني أبحث هناك عن نسخة أخرى مني، نسخة لم يستهلكها الأيام، ولم تهزم التفاصيل الصغيرة.
أنظر إلى هذا العالم الواسع فأشعر أن الإنسان رغم كل ما يملكه ما يزال تائها كطفل وسط مدينة ضخمة.
نركض كثيرًا، نتحدث كثيرًا، ننشر صورنا وراءنا وضحكات، لكننا في الحقيقة نبحث عن شيء واحد: معنى يجعل هذا الركض أقل عبثا.
وفي زحمة هذا الفضاء الأزرق، حيث الجميع يتكلم ولا أحد يلغي، يصبح الإنسان مجرد رقم يمر سريعًا بين المنشورات.
ضحكات مصطنعة، حروب تعليقات، استعراض يومي للنجاح، ومواكب طويلة من الأقنعة التي أنهكت الوجوه الحقيقية.
حتى المشاعر أصبحت تختصر في زر إعجاب، الحزن صار يستهلك خبرة عابر، والناس لم يعودوا يعيشون اللحظة بقدر ما أصبحوا يوثق انها لينالوا انتباه الآخرين.
هناك لحظة يدرك فيها الإنسان أن هذا العالم الافتراضي، رغم ازدحامه، لا يمنحه دفئا حقيقيا.
لحظة يكتشف فيها أن كثرة الحضور قد تكون شكلا آخر من أشكال الغياب، وأن الضجيج الطويل قد ينتج داخله صحراء شاسعة من الملل والوحدة.
حينها يبدأ التعب بالتسلل ببطء، لا متعب الجسد، بل متعب الروح… ذلك النوع من الإرهاق الذي لا يراه أحد.
وحده الملل بات تنسوني أحيانا، يجلس بجانبي رفيق قديم يعرف تفاصيل هزائمي الصغيرة.
أصبح الصمت أكثر صدقا من كثير من الأحاديث، وأصبحت العزلة أقل قسوة من بعض العلاقات، وصار الهروب المؤقت من هذا العالم ضرورة لا ترفض.
فالإنسان لا يضيع دائمًا في الطرقات، أحيانا يضيع وهو جالس في مكانه، يبتسم للناس بينما داخله ينهار ببطء.
لذلك ربما يكون الابتعاد قرارًا حكيما لا هزيمة.
أن تغلق هذا الباب قليلا لتسمع صوتك الحقيقي بعيدًا عن الضجيج، أن تستعيد نفسك من الزحام، أن تمشي دون أن تفكر في التقاط صورة، أن تتأمل السماء دون أن تكتب منشورا عنها، أن تعيش اللحظة بدل أن تعرضها على الآخرين كإعلان يومي عن وجودك.
نحن لا نحتاج دائمًا إلى جمهور، بل نحتاج أحيانا إلى هدنة مع أنفسنا.
إلى وقت نعيد فيه ترميم أرواحنا المتعبة، نكتشف من جديد ما الذي يجعلنا أحياء حقا.
فالإنسان الذي يفقد شغفه تدريجيًا لا تنقصه الأشياء، بل تنقصه المعاني.
وحين تختنق الروح من التكرار، يصبح الانسحاب المؤقت شجاعة، لا ضعفا.
لعل الابتعاد عن هذا الفضاء الأزرق ليس هربوا من الناس، بل عودة متأخرة إلى الذات.
عودة إلى ذلك الإنسان الذي كان يرى الحياة أكبر من شاشة، وأعمق من تعليق، وأصدق من اعجاب عابر.
وربما، بعد كل هذا الصمت، سنكتشف أن أجمل الأشياء لم تكن يومًا داخل هذا الضجيج الإلكتروني، بل كانت تنتظرنا خارجه… في كتاب، في سماء هادئة، في حديث صادق، أو في لحظة صفاء نتصالح فيها أخيرًا مع أنفسنا.
والروح يا صديقي لا تموت دفعة واحدة، بل تذبل قليلا كلما عاشت حياة لا تشبهها.
سناء حسين زغير
الأيام تمضي متشابهة كأنها نسخ باهتة من بعضها، والوجوه تعبنا دون أثر، والأحاديث تعاد حتى فقدت دهشتها الأولى، حتى صرنا نعيش العمر لا لأننا نرغب في ذلك، بل لأن الساعة تواصل دورانها رغم تعب الأرواح.
أحيانا أجلس أمام الورقة كمن يجلس أمام نافذة نجاة، فأجد في الكتابة متعة لا تشبه شيئًا آخر.
أهرب إلى الحروف كما يهرب الغريق إلى آخر خشبة في البحر، ارتكب الكلمات لا لأشهر أحدًا، بل لا عيد ترتيب الفوضى داخلي.
أكتب لأن الحياة في الخارج صاخبة أكثر مما ينبغي، بينما النص يمنحني تلك العزلة النبيلة التي لا تؤذي أحدًا.
أصوغ فكرة من وجع صغير، وأحوال التعب إلى جملة، والانكسار إلى استعارة، الخذلان إلى نصوص طويل يشبهني أكثر مما تشبهني صور الواقع.
ثم اشرب…
أرفع عيني نحو السماء كأنني أبحث هناك عن نسخة أخرى مني، نسخة لم يستهلكها الأيام، ولم تهزم التفاصيل الصغيرة.
أنظر إلى هذا العالم الواسع فأشعر أن الإنسان رغم كل ما يملكه ما يزال تائها كطفل وسط مدينة ضخمة.
نركض كثيرًا، نتحدث كثيرًا، ننشر صورنا وراءنا وضحكات، لكننا في الحقيقة نبحث عن شيء واحد: معنى يجعل هذا الركض أقل عبثا.
وفي زحمة هذا الفضاء الأزرق، حيث الجميع يتكلم ولا أحد يلغي، يصبح الإنسان مجرد رقم يمر سريعًا بين المنشورات.
ضحكات مصطنعة، حروب تعليقات، استعراض يومي للنجاح، ومواكب طويلة من الأقنعة التي أنهكت الوجوه الحقيقية.
حتى المشاعر أصبحت تختصر في زر إعجاب، الحزن صار يستهلك خبرة عابر، والناس لم يعودوا يعيشون اللحظة بقدر ما أصبحوا يوثق انها لينالوا انتباه الآخرين.
هناك لحظة يدرك فيها الإنسان أن هذا العالم الافتراضي، رغم ازدحامه، لا يمنحه دفئا حقيقيا.
لحظة يكتشف فيها أن كثرة الحضور قد تكون شكلا آخر من أشكال الغياب، وأن الضجيج الطويل قد ينتج داخله صحراء شاسعة من الملل والوحدة.
حينها يبدأ التعب بالتسلل ببطء، لا متعب الجسد، بل متعب الروح… ذلك النوع من الإرهاق الذي لا يراه أحد.
وحده الملل بات تنسوني أحيانا، يجلس بجانبي رفيق قديم يعرف تفاصيل هزائمي الصغيرة.
أصبح الصمت أكثر صدقا من كثير من الأحاديث، وأصبحت العزلة أقل قسوة من بعض العلاقات، وصار الهروب المؤقت من هذا العالم ضرورة لا ترفض.
فالإنسان لا يضيع دائمًا في الطرقات، أحيانا يضيع وهو جالس في مكانه، يبتسم للناس بينما داخله ينهار ببطء.
لذلك ربما يكون الابتعاد قرارًا حكيما لا هزيمة.
أن تغلق هذا الباب قليلا لتسمع صوتك الحقيقي بعيدًا عن الضجيج، أن تستعيد نفسك من الزحام، أن تمشي دون أن تفكر في التقاط صورة، أن تتأمل السماء دون أن تكتب منشورا عنها، أن تعيش اللحظة بدل أن تعرضها على الآخرين كإعلان يومي عن وجودك.
نحن لا نحتاج دائمًا إلى جمهور، بل نحتاج أحيانا إلى هدنة مع أنفسنا.
إلى وقت نعيد فيه ترميم أرواحنا المتعبة، نكتشف من جديد ما الذي يجعلنا أحياء حقا.
فالإنسان الذي يفقد شغفه تدريجيًا لا تنقصه الأشياء، بل تنقصه المعاني.
وحين تختنق الروح من التكرار، يصبح الانسحاب المؤقت شجاعة، لا ضعفا.
لعل الابتعاد عن هذا الفضاء الأزرق ليس هربوا من الناس، بل عودة متأخرة إلى الذات.
عودة إلى ذلك الإنسان الذي كان يرى الحياة أكبر من شاشة، وأعمق من تعليق، وأصدق من اعجاب عابر.
وربما، بعد كل هذا الصمت، سنكتشف أن أجمل الأشياء لم تكن يومًا داخل هذا الضجيج الإلكتروني، بل كانت تنتظرنا خارجه… في كتاب، في سماء هادئة، في حديث صادق، أو في لحظة صفاء نتصالح فيها أخيرًا مع أنفسنا.
والروح يا صديقي لا تموت دفعة واحدة، بل تذبل قليلا كلما عاشت حياة لا تشبهها.
سناء حسين زغير