Samir Alsaaidi ياااااه ، 15 عام على رحيل قمر شارع المتنبّي الوديع ...

Samir Alsaaidi
ياااااه ، 15 عام على رحيل قمر شارع المتنبّي الوديع ...
نعيم الشطري من أقدم الكتبيين في شارع المتنبي ، مذ كانت بيروت تطبع في خمسينات القرن الماضي ومصر تكتب ، كان يجلب منها الكتب بأسعار زهيدة ، لتكون في متناول الوسط الثقافي العراقي وقتذاك وتقرأ .
سريع البديهة ، دمث الخلق ، قلبه تينة سمراء مكتملة الإستواء بيد كل المحبّين ، جميل المحيا ، صديق كل الكتّاب والباحثين عبر أكثر من ستين عاما ً مضت .
طوال الأسبوع بعد عام 2003 يقف أمام مكتبته في شارع المتنبي وتصدح حنجرته بكل شعر ٍ عربي قيل في معشوقته بغداد : من احمد شوقي الى درويش الى نزار قبّاني الى ماورد في أغنيات فيروز ، ويتضاعف هذا الإنشاد والتغريد في يوم الجمعة ، إذ يعتلي كرسيّه الخشبي أمام مكتبته التي تنتصف الشارع ، رافعاً ً يده اليمنى ، والألق يلتمع في عينيه ، وتتلبسه روح كل العشّاق لأوطانهم ، قائلا ً للبعيد قبل القريب :
بغداد والشعراء والصور ُ
ذهب ُ الزمان ِ وضوعه ُ العطر ُ
صار يكافح من أجل تحسين وضع شارع المتنبي ومكتباته وخدماته قبل تحسين وضعه الشخصي ، يتنقل بين المؤسسات والوزارات والأشخاص ، ولم يطلب لنفسه شيئا ً ، وهو المفلس غالبا ً الّا من ثراء ذاكرته وشغفه وعشقه لبغداد .
مرة ً وهو شاب ( هو رواها لي ) ، في ذات الشارع ، شاهد العلّامة العراقي مصطفى جواد مع صديقه الدكتور فؤاد ، فأراد مماحكته بطراوة تعليقاته من دون معرفة مسبقة بينهما ، فنادى ( خذ من هذه الكتب ُ النادرة ُ للبيع ... بالضم وليس بالجر ) ، فقال العلامة مصطفى جواد لصديقه : ( إن ّ هذا الشاب الصغير يعنيني بكلامه ) ... فأطلقا ضحكة مجلجلة ، شاركهم بها نعيم الشطري ، لتتوطد علاقتهما لاحقا ً بشكل شبه يومي .
نعيم الشطري ( أبو ربيع ) يصعب إيجازه بسطور ، فهو كتاب ثري ، متشعب ، متنقّل بين عقود من السنوات ، وكثير من العقول والحارات البغدادية العريقة والذواكر المعرفية والبحثيّة في تاريخ العراق .
شاهدني في صالة إتحاد الأدباء الشتوية عن بعد أكثر من عشر طاولات مزدحمة بالمدخنين وأكثر من ثلاثين عاماً من الغياب ، فوقف من بين مجالسيه ، وكأسه في يده كأبي نواس منادياً : ( سمّوري ، بصحتك ، تره ما أگدر أدفع حسابك ها.. تعذرني ) فضج المكان بالابتسامات والمرح .
كلما نلتقي في مكتبته في المتنبي ، يحاول أن يأخذني لناشرين أصحاب مطابع ، رغبة ً منه لإعادة طباعة كتبي في عاصمتنا ، وليس في المغرب أو دمشق أو بيروت ، ولكن للأسف ليس من بين عروضهم عرض مغر ٍ ، في بلد انتهكت فيه المليشيات كل شئ ، كذلك غياب القانون والتقاليد وصدق التعامل في هذا الشأن ، التي إنعكست على دور النشر بشكل مباشر .
نعيم الشطري كاتب بيت من الشعر الشعبي الدارمي على زجاج مكتبته ، يختصر به روحه المرحة ، ومعاناته أيضا ً :
كلمن يگلك زين ، گلّه انته چذّاب
الشطري صار أسبوع ما بايع كتاب
صحته التي تدهورت سريعا ً ، لم تنل رعاية من جهة حكومية أو شعبية أو مدنية ، وهو يسكن غرفة بائسة في ذات المنطقة ، حتى غادر الحياة مبتسما ً ومفلسا ً ووحيدا ً بمثل هذا اليوم من عام 2012 .
الأغرب أن لاجهة ما سعت الى تخليد مكتبة الشطري ، لتكون علامة مضيئة في هذا الشارع التاريخي للثقافة والفكر ، بل سارع وارثوه الى بيعها بعجالة ، بينما لم يبادر أحد منهم للإعتناء به وبصحته وبسكنه البائس لأعوام طويلة .
بمثل اليوم رحل قمر بغداد المرح نعيم الشطري.
المجد لروحك وكفاحك ونبل مسعاك .
الصورة : مع الناشر والكاتب الشاب مازن لطيف ، الذي اختطف أوائل عام 2020 مع الكاتب توفيق التميمي ، بينهما أيام فقط ، ومازالا في غياهب الإختطاف ، ولم يعرف عنهما أي خبر حتى اللحظة ، ومن حق ذويهم معرفة مصيرهم مهما كان السبب ومهما كان نوع التهم
ياااااه ، 15 عام على رحيل قمر شارع المتنبّي الوديع ...
نعيم الشطري من أقدم الكتبيين في شارع المتنبي ، مذ كانت بيروت تطبع في خمسينات القرن الماضي ومصر تكتب ، كان يجلب منها الكتب بأسعار زهيدة ، لتكون في متناول الوسط الثقافي العراقي وقتذاك وتقرأ .
سريع البديهة ، دمث الخلق ، قلبه تينة سمراء مكتملة الإستواء بيد كل المحبّين ، جميل المحيا ، صديق كل الكتّاب والباحثين عبر أكثر من ستين عاما ً مضت .
طوال الأسبوع بعد عام 2003 يقف أمام مكتبته في شارع المتنبي وتصدح حنجرته بكل شعر ٍ عربي قيل في معشوقته بغداد : من احمد شوقي الى درويش الى نزار قبّاني الى ماورد في أغنيات فيروز ، ويتضاعف هذا الإنشاد والتغريد في يوم الجمعة ، إذ يعتلي كرسيّه الخشبي أمام مكتبته التي تنتصف الشارع ، رافعاً ً يده اليمنى ، والألق يلتمع في عينيه ، وتتلبسه روح كل العشّاق لأوطانهم ، قائلا ً للبعيد قبل القريب :
بغداد والشعراء والصور ُ
ذهب ُ الزمان ِ وضوعه ُ العطر ُ
صار يكافح من أجل تحسين وضع شارع المتنبي ومكتباته وخدماته قبل تحسين وضعه الشخصي ، يتنقل بين المؤسسات والوزارات والأشخاص ، ولم يطلب لنفسه شيئا ً ، وهو المفلس غالبا ً الّا من ثراء ذاكرته وشغفه وعشقه لبغداد .
مرة ً وهو شاب ( هو رواها لي ) ، في ذات الشارع ، شاهد العلّامة العراقي مصطفى جواد مع صديقه الدكتور فؤاد ، فأراد مماحكته بطراوة تعليقاته من دون معرفة مسبقة بينهما ، فنادى ( خذ من هذه الكتب ُ النادرة ُ للبيع ... بالضم وليس بالجر ) ، فقال العلامة مصطفى جواد لصديقه : ( إن ّ هذا الشاب الصغير يعنيني بكلامه ) ... فأطلقا ضحكة مجلجلة ، شاركهم بها نعيم الشطري ، لتتوطد علاقتهما لاحقا ً بشكل شبه يومي .
نعيم الشطري ( أبو ربيع ) يصعب إيجازه بسطور ، فهو كتاب ثري ، متشعب ، متنقّل بين عقود من السنوات ، وكثير من العقول والحارات البغدادية العريقة والذواكر المعرفية والبحثيّة في تاريخ العراق .
شاهدني في صالة إتحاد الأدباء الشتوية عن بعد أكثر من عشر طاولات مزدحمة بالمدخنين وأكثر من ثلاثين عاماً من الغياب ، فوقف من بين مجالسيه ، وكأسه في يده كأبي نواس منادياً : ( سمّوري ، بصحتك ، تره ما أگدر أدفع حسابك ها.. تعذرني ) فضج المكان بالابتسامات والمرح .
كلما نلتقي في مكتبته في المتنبي ، يحاول أن يأخذني لناشرين أصحاب مطابع ، رغبة ً منه لإعادة طباعة كتبي في عاصمتنا ، وليس في المغرب أو دمشق أو بيروت ، ولكن للأسف ليس من بين عروضهم عرض مغر ٍ ، في بلد انتهكت فيه المليشيات كل شئ ، كذلك غياب القانون والتقاليد وصدق التعامل في هذا الشأن ، التي إنعكست على دور النشر بشكل مباشر .
نعيم الشطري كاتب بيت من الشعر الشعبي الدارمي على زجاج مكتبته ، يختصر به روحه المرحة ، ومعاناته أيضا ً :
كلمن يگلك زين ، گلّه انته چذّاب
الشطري صار أسبوع ما بايع كتاب
صحته التي تدهورت سريعا ً ، لم تنل رعاية من جهة حكومية أو شعبية أو مدنية ، وهو يسكن غرفة بائسة في ذات المنطقة ، حتى غادر الحياة مبتسما ً ومفلسا ً ووحيدا ً بمثل هذا اليوم من عام 2012 .
الأغرب أن لاجهة ما سعت الى تخليد مكتبة الشطري ، لتكون علامة مضيئة في هذا الشارع التاريخي للثقافة والفكر ، بل سارع وارثوه الى بيعها بعجالة ، بينما لم يبادر أحد منهم للإعتناء به وبصحته وبسكنه البائس لأعوام طويلة .
بمثل اليوم رحل قمر بغداد المرح نعيم الشطري.
المجد لروحك وكفاحك ونبل مسعاك .
الصورة : مع الناشر والكاتب الشاب مازن لطيف ، الذي اختطف أوائل عام 2020 مع الكاتب توفيق التميمي ، بينهما أيام فقط ، ومازالا في غياهب الإختطاف ، ولم يعرف عنهما أي خبر حتى اللحظة ، ومن حق ذويهم معرفة مصيرهم مهما كان السبب ومهما كان نوع التهم