أخبار قناة الشمس

×

اضغط هنا إن لم يقم المتصفح بتحويلك آليًا.

السودان العظيم: من دولة الفقر إلى دولة الرفاهية الأسرية -بقلم: د. ماجدة مصطفى صادق- عميد كلية الاقتصاد والدراسات المالية والمصرفية – جامعة السودان العالمية

السودان العظيم: من دولة الفقر إلى دولة الرفاهية الأسرية -بقلم: د. ماجدة مصطفى صادق- عميد كلية الاقتصاد والدراسات المالية والمصرفية – جامعة السودان العالمية
 
السودان العظيم: من دولة الفقر إلى دولة الرفاهية الأسرية
بقلم: د. ماجدة مصطفى صادق- عميد كلية الاقتصاد والدراسات المالية والمصرفية – جامعة السودان العالمية


ليس الفقر قدراً محتوماً، ولا الثراء مجرد وفرة في الموارد الطبيعية. فالتاريخ الاقتصادي يعلمنا أن الأمم تتقدم عندما تحسن إدارة مواردها، وتضع الإنسان في قلب عملية التنمية. والسودان، رغم ما مر به من أزمات وحروب وتحديات، لا يزال يمتلك من الإمكانات ما يجعله قادراً على بناء واحد من أنجح النماذج التنموية في إفريقيا والعالم العربي.
لقد ركزت السياسات الاقتصادية لعقود طويلة على معالجة الأزمات بعد وقوعها، بينما أهملت بناء الإنسان المنتج والأسرة المنتجة. وكانت النتيجة ارتفاع معدلات الفقر والبطالة، وتراجع الإنتاج الزراعي، واتساع فجوة الأمن الغذائي، رغم أن السودان يمتلك ملايين الأفدنة الصالحة للزراعة وأطول الأنهار وأعلى معدلات الإشعاع الشمسي التي تؤهله ليكون مركزاً للطاقة النظيفة.

إن الرؤية التي يحتاجها السودان اليوم تقوم على مبدأ بسيط وعميق في الوقت نفسه: تحويل كل أسرة إلى وحدة إنتاج مستقلة.وتبدأ هذه الرؤية بتخصيص قطعة أرض سكنية زراعية لكل أسرة في المناطق المناسبة، بحيث تضم منزلاً حديثاً وحديقة وبستاناً ومزرعة صغيرة. عندها لن يكون المنزل مجرد مكان للسكن، بل مصنعاً للإنتاج ومصدراً للغذاء والطاقة والمياه.
فالأسرة تستطيع أن تزرع احتياجاتها من الخضروات والفواكه، وأن تربي الدجاج والحمام والأغنام، وأن تحول مخلفاتها العضوية إلى سماد طبيعي، وأن تعتمد على الطاقة الشمسية في إنتاج الكهرباء، مع الاستفادة من التقنيات الحديثة في إدارة المياه وإعادة التدوير. وهكذا تتحول الأسرة من مستهلك يعتمد على الأسواق إلى منتج يحقق قدراً كبيراً من الاكتفاء الذاتي ويبيع الفائض.
ويمثل هذا النموذج تحولاً جذرياً في مفهوم التنمية؛ إذ يصبح المواطن شريكاً في الإنتاج، وليس مجرد متلقٍ للخدمات. كما يخفف الضغط على الدولة في توفير الكهرباء والمياه والغذاء، ويخلق اقتصاداً محلياً نابضاً بالحياة في الريف والولايات، ويحد من الهجرة نحو المدن المكتظة.
وفي المقابل، فإن الأراضي الزراعية الشاسعة التي لا تدخل ضمن هذا المشروع يمكن تخصيصها للاستثمار الوطني والأجنبي وفق أسس شفافة تحقق المصلحة الوطنية، مع إلزام المستثمرين بإقامة الصناعات الزراعية، ونقل التكنولوجيا، وتدريب الكوادر الوطنية، وتعظيم القيمة المضافة للمنتجات السودانية.
إن التنمية الحقيقية لا تقاس بعدد المباني الشاهقة، وإنما بقدرة الأسرة على أن تعيش بكرامة، وأن توفر غذاءها، وأن تحصل على الماء النظيف والطاقة المستدامة، وأن تساهم في الاقتصاد الوطني من موقعها. وهذا هو جوهر مفهوم مجتمع الرفاهية الأسرية.
لقد أثبتت تجارب دول عديدة أن الاستثمار في الأسرة المنتجة يحقق عوائد اقتصادية واجتماعية تفوق كثيراً برامج الدعم التقليدية، لأنه يعزز الاعتماد على الذات، ويرفع الإنتاجية، ويقلل البطالة، ويعزز الاستقرار الاجتماعي.
غير أن نجاح هذه الرؤية يتطلب تخطيطاً علمياً دقيقاً، يبدأ بحصر الأراضي الصالحة، وإجراء الدراسات البيئية والهيدرولوجية، وتوفير البنية الأساسية، وسن التشريعات المنظمة لحقوق الملكية، وضمان الاستخدام المستدام للموارد الطبيعية، حتى تتحقق التنمية دون الإضرار بحقوق الأجيال القادمة.
إن السودان يقف اليوم أمام فرصة تاريخية لإعادة صياغة مستقبله الاقتصادي. وإذا أحسن استثمار موارده الزراعية والمائية والشمسية، ووضع الأسرة في قلب المشروع التنموي، فإنه قادر على الانتقال من اقتصاد يعاني من الفقر إلى اقتصاد يقود التنمية في الإقليم.
إن بناء مجتمع الرفاهية الأسرية ليس شعاراً سياسياً، بل مشروعاً اقتصادياً واجتماعياً متكاملاً، يستند إلى الإنتاج والاستدامة والعدالة في توزيع الفرص. وعندما تمتلك كل أسرة أرضها، وتنتج غذاءها، وتولد جزءاً من طاقتها، وتدير مواردها بكفاءة، فإن الوطن بأكمله يصبح أكثر قوة واستقراراً وازدهاراً.
إن السودان العظيم يستحق أن يكون نموذجاً عالمياً في التنمية المستدامة، وأن يتحول من بلد غني بالموارد وفقير في الاستفادة منها، إلى دولة تبني مستقبلها بالإنتاج والعلم والعمل، ليعيش كل مواطن حياة كريمة في وطن يفيض بالخير والعطاء.

صور مميزة