بين السعي للظهور والبحث عن الذات: قراءة نفسية واجتماعية في ظاهرة "الركض وراء الصورة" الاجتماعية. للاستاذة مسعودة القاسمي

بين السعي للظهور والبحث عن الذات: قراءة نفسية واجتماعية في ظاهرة "الركض وراء الصورة" الاجتماعية.
للاستاذة مسعودة القاسمي
في العصر الرقمي، لم يعد الإنسان يعيش ذاته فقط، بل يعيش أيضاً نسخ مُصمَّمة منه تُعرض على الآخرين. هذه النسخ، التي تتجلى في منصات التواصل الاجتماعي، لا تعكس دائماً الحقيقة بقدر ما تعكس ما يتوقعه المجتمع، أو ما يرغب الفرد في أن يُرى عليه. وهنا يتشكل نوع من الركض الرمزي نحو صورة مثالية، قد تكون بعيدة عن التجربة الداخلية للفرد.
من منظور علم النفس، يمكن فهم هذا السلوك عبر نظرية “التقدير المشروط للذات”، حيث يرتبط شعور الإنسان بقيمته الذاتية بمدى قبول الآخرين له. يوضح عالم النفس Carl Rogers أن الفرد الذي ينشأ في بيئة تمنحه القبول المشروط (أي القبول المرتبط بالسلوك أو الإنجاز) يميل لاحقاً إلى البحث المستمر عن هذا القبول في الخارج، مما يخلق فجوة بين "الذات الحقيقية" و"الذات المتصوَّرة".
كما أن نظرية "الحاجات" عند Abraham Maslow تشير إلى أن الحاجة إلى الانتماء والتقدير تُعد من الحاجات الأساسية للإنسان. غير أن الإشكال لا يكمن في وجود هذه الحاجة، بل في طريقة إشباعها. فعندما تتحول إلى اعتماد كلي على نظرة الآخرين، تصبح مصدراً للقلق وعدم الاستقرار النفسي.
أما من زاوية علم الاجتماع، فإن ما يحدث في الفضاء الرقمي يمكن تفسيره من خلال مفهوم "إدارة الانطباع" لدى Erving Goffman، الذي يرى أن الأفراد يتصرفون كما لو أنهم على خشبة مسرح، يقدمون أنفسهم بطرق معينة لتحقيق انطباع محدد لدى الجمهور. وسائل التواصل الاجتماعي وسّعت هذا المسرح بشكل غير مسبوق، وجعلت الجمهور دائماً حاضراً، بل ومؤثراً في تشكيل الهوية الفردية فأصبح الكل يلقب بالدكتور وهي درجة علمية ينالها فقط الاكاديمي من داخل الجامعات المتخصصة الوطنية او الدولية المعترف بها.
لكن، هل يعني ذلك أن الحل يكمن في "التخلي الكامل" عن هذا السعي؟ هنا يجب التمييز. تشير أبحاث في مجال تطوير الذات إلى أن الانسحاب الكلي قد يكون مجرد ردة فعل معاكسة، لا تعالج الجذر الحقيقي للمشكلة. فالمطلوب ليس الهروب من المجتمع، بل إعادة بناء العلاقة معه. في هذا السياق، يؤكد الباحث Brené Brown أن الشجاعة الحقيقية تكمن في "الظهور كما نحن"، مع قبول هشاشتنا، لا في محاولة إخفائها خلف صور مثالية.
ان التحول الحقيقي يبدأ عندما يدرك الفرد أن ما يبحث عنه في الخارج سواء كان تقديراً أو حباً أو شعوراً بالأمان، هو في جوهره انعكاس لاحتياج داخلي غير مُلبّى. هذا الإدراك لا يدعو إلى الانعزال، بل إلى إعادة توجيه الانتباه نحو الداخل: فهم الذات، تقبّلها، والعمل على بنائها بشكل متماسك.
بمعنى آخر، التوقف عن "الركض" لا يعني التوقف عن الحياة الاجتماعية، بل يعني التوقف عن جعلها المصدر الوحيد لتعريف الذات. عندها فقط، يصبح التفاعل مع الآخرين اختياراً واعياً، لا محاولة مستمرة لسد فراغ داخلي.