أخبار قناة الشمس

×

اضغط هنا إن لم يقم المتصفح بتحويلك آليًا.

Samiha Koussa · Chaza Awad - شذى عواد · " فوتوا انضبوا ببيوتكم "،

Samiha Koussa   ·  Chaza Awad - شذى عواد   ·  " فوتوا انضبوا ببيوتكم "،
 Samiha Koussa
·
Chaza Awad - شذى عواد
·
" فوتوا انضبوا ببيوتكم "،
هكذا كانت تصرخ جارتنا من على شرفتها في الطابق الثاني،
وهي تتسلى ب " فصفصة " بذور دوار الشمس .
توبخنا بكل أناقة، وشرار الغضب يتطاير من عينيها الجميلتين .
كنا نلعب الكرة بعلبة الكولا المعدنية الفارغة، عوضاً عن كرة الملاعب التي كانت غالية الثمن.
المكان يعج بأصوات طفولتنا، ضجيج وضحك وصراخ ، ما كان يغضبها، ويفسد هدوء فنجان قهوتها المسائية، ويطغى على صوت نجاة الصغيرة المنبعث من جهاز الراديو عبر أثير إذاعة دمشق، وهي تشدو رائعتها " عيون القلب" .
كانت سيدة في منتصف الخمسينيات على ما أذكر،
وجهها ناصع البياض كالبدر، وعينان سوداوين واسعتين كليل لا قمر فيه،
كم كان جلياً تعاليها على الزمن وتجاعيده، تخفي آثار دعساته على وجهها ببعض مساحيق التجميل، وتلون شيب شعرها باللون الأسود الحالك فيضفي سواده بياضاً أكثر على محياها، كاشفاً حسن الصبا الذي كان غافياً، وأيقظه التضاد في الألوان. كانت تبدو جميلة حقاً رغم سنينها الخمسين.
حينها لا وجود لمبضع جراح يغتال آثام انسكاب السنين في إناء العمر، ولا فلاتر تُنقص الأيام، وتمحو خطاياها من على الوجوه…
كنا نتابع اللهو والعراك على الكرة المعدنية غير آبهين بتوبيخها المتكرر، فرحنا الطفولي كان يفوق أهمية على الالتزام بتعاليم تلك السيدة والظهور بمظهر الأولاد المهذبين المطيعي، علاوة ً على أن العودة إلى البيت قبل أفول الشمس كان أمراً لا يروق لنا كثيراً …
فما كان من أحد الصبية إلا أن يقرر شراء رضاها، فيطلب من الجميع الصمت ليتلو عليها بيت شعر حفظه عن أبيه مدرس اللغة العربية :
وﺍﻟﺴﻴﻒ ﻓﻲ الغمد ﻻ ﺗُﺨشَى مضاربُه
ﻭﺳﻴﻒ ﻋﻴﻨﻴﻚ ﻓﻲ ﺍﻟﺤﺎﻟﻴﻦ ﺑﺘّﺎﺭُ
لم نفهم معناه تماماً، ونشعر بعذوبته وتأثيره إلا عندما صمتت فجأة، وابتسمت بلطف، ومنحتنا الأمان للمزيد من ساعات الفرح لتنطلق ضحكاتنا مجلجلة في المكان مع جلبة المعدن الرخيص المزعجة .
و منذ ذلك اليوم ونحن نتردد على بيت جارنا مدرس اللغة العربية لحفظ بعض أبيات شعر الغزل بصعوبة لعلها تسعفنا في مواجهات أخرى وتضمن لنا ساعات من اللعب لا نهاية لها فالأرض في ذلك الوقت لم تكن تتسع لفرح طفولتنا …
وعوض أن " ننضّب " في البيت كما كانت تنادي علينا السيدة قبضنا على غضبها بحلو الكلام، وأودعناه في جيوبنا الصغيرة بالكلام اللطيف …
هي الكلمة أحياناً تأوي أكثر من الأماكن
وأحياناً تجرح أكثر من طعنة سكين
التكلفة ذاتها، والفرق في الأثر …