أخبار قناة الشمس

×

اضغط هنا إن لم يقم المتصفح بتحويلك آليًا.

القوة الناعمة الجديدة واقتصاد التفاهة: عندما يصبح الانتباه سلعة ..! بقلم: د. ماجدة مصطفى صادق — عميد كلية الاقتصاد والدراسات المالية والمصرفية، جامعة السودان العالمية

القوة الناعمة الجديدة واقتصاد التفاهة: عندما يصبح الانتباه سلعة ..!  بقلم: د. ماجدة مصطفى صادق — عميد كلية الاقتصاد والدراسات المالية والمصرفية، جامعة السودان العالمية
 
القوة الناعمة الجديدة واقتصاد التفاهة: عندما يصبح الانتباه سلعة
بقلم: د. ماجدة مصطفى صادق — عميد كلية الاقتصاد والدراسات المالية والمصرفية، جامعة السودان العالمية

لم تعد القوة في عالم اليوم تُقاس فقط بحجم الجيوش، أو قوة الاقتصاد، أو عدد الصواريخ وحاملات الطائرات. هناك قوة أخرى أكثر نعومة، وأكثر انتشارًا، وأشد قدرة على التسلل إلى العقول والسلوك اليومي: قوة التأثير في الإنسان من خلال الشاشة.

لقد انتقل العالم من عصر كانت فيه الدول والمؤسسات الإعلامية الكبرى هي التي تصنع الرأي العام، إلى عصر يستطيع فيه فرد واحد أن يصبح مؤثرًا على ملايين الناس، وتستطيع فيه خوارزمية أن تحدد ما الذي نراه، وما الذي نعيد مشاهدته، وما الذي يصبح حديث الناس، ومن يتحول إلى نجم، ومن يختفي في اليوم التالي.


وهنا تظهر القوة الناعمة الجديدة؛ قوة لا تحتاج إلى جيوش ولا إلى خطابات سياسية مباشرة، وإنما تعتمد على الشاشة، والخوارزمية، والمؤثر، والصورة، والموسيقى، والقدرة على جذب الانتباه.
ومن هنا يأتي TikTok كنموذج صارخ لهذه التحولات. وليس من الإنصاف القول إن كل ما يقدم عبر TikTok هو تفاهة؛ فالمنصة تضم محتوى تعليميًا وثقافيًا وإبداعيًا، وتوفر فرصًا للتسويق والتعبير عن المواهب والتواصل. لكن المشكلة تبدأ عندما يصبح معيار نجاح المحتوى هو قدرته على جذب أكبر عدد ممكن من المشاهدات، وليس مقدار ما يضيفه إلى الإنسان والمجتمع.

لقد أصبح الانتباه موردًا اقتصاديًا نادرًا. شركات التكنولوجيا تتنافس على وقت المستخدم، والمعلنون يتنافسون على أعين الجمهور، وصناع المحتوى يتنافسون على المشاهدات والمتابعين. وكلما زاد الوقت الذي يقضيه الإنسان أمام الشاشة، زادت القيمة الاقتصادية لهذا الانتباه.
وهنا يظهر ما يمكن تسميته "اقتصاد التفاهة"، ليس بمعنى أن كل المحتوى تافه، وإنما بمعنى أن النظام الاقتصادي للمنصات قد يمنح أحيانًا أفضلية للمحتوى السريع، والمثير، والصادم، والمضحك، والمثير للجدل، لأنه قادر على خطف الانتباه خلال ثوانٍ.
فالمحتوى العلمي يحتاج إلى قراءة وتأمل، والمحتوى الثقافي يحتاج إلى وقت، والمحتوى الفكري يحتاج إلى عقل حاضر. أما المحتوى المثير فلا يحتاج إلا إلى لحظة واحدة لكي يحقق ملايين المشاهدات.

وهنا تكمن المفارقة: ما هو أكثر قيمة للمجتمع ليس بالضرورة ما هو أكثر قدرة على جذب الانتباه، وما يحقق أكبر عدد من المشاهدات ليس بالضرورة ما يستحق أكبر قدر من الاحترام.
الأخطر من ذلك أن المسألة لا تتعلق بما نشاهده فقط، وإنما بما يحدث بعد المشاهدة. فالخوارزمية تتعلم من سلوكنا؛ ما نضغط عليه، وما نشاهده حتى النهاية، وما نعيده، وما نشاركه، وما نعلق عليه. ثم تبدأ في تقديم المزيد من المحتوى المشابه.

وهكذا تدخل العملية في دائرة متواصلة: نحن نؤثر في الخوارزمية، والخوارزمية تؤثر فينا.
ومع تكرار المحتوى، يمكن أن يحدث شيء أكثر خطورة من مجرد الترفيه؛ يمكن أن تتغير معاييرنا تدريجيًا لما هو طبيعي ومقبول ومثير للاهتمام. ما كان يعتبر بالأمس سلوكًا غريبًا قد يصبح اليوم مألوفًا لكثرة ظهوره. وما كان يمثل خروجًا عن الذوق العام قد يتحول إلى "ترند". وما كان يرفضه المجتمع قد يجد من يدافع عنه لمجرد أنه أصبح شائعًا.

وهنا يجب أن نتوقف عند قضية القيم

المجتمعات لا تحافظ على قيمها بالقوانين وحدها، وإنما تحافظ عليها أيضًا من خلال الأسرة والتعليم والإعلام والقدوة والمجال الثقافي العام. وعندما يصبح الفضاء الرقمي أحد أهم مصادر تشكيل وعي الشباب، فإن ترك هذا الفضاء للمحتوى الأكثر إثارة فقط قد يؤدي إلى خلل في منظومة الأولويات.
المشكلة ليست في أن يضحك الإنسان أو يستمتع أو يبحث عن الترفيه. المشكلة عندما يصبح الترفيه هو القيمة الوحيدة، وعندما تصبح الشهرة هدفًا بذاتها، وعندما يصبح عدد المتابعين معيارًا للمكانة، بينما يتراجع السؤال الأهم: ماذا قدم هذا الشخص للمجتمع؟
في الماضي كان المجتمع يمنح المكانة لمن يمتلك علمًا أو مهنة أو خبرة أو إنجازًا. أما اليوم فقد يستطيع الإنسان أن يحصل على الشهرة لمجرد قدرته على إثارة الجدل أو جذب الأنظار.
وهكذا بدأنا نشهد تحولًا من "اقتصاد الإنتاج" إلى "اقتصاد الظهور"، ومن قيمة ما يقدمه الإنسان إلى قيمة عدد الأشخاص الذين يشاهدونه.

وهذه ليست قضية أخلاقية فقط؛ إنها قضية اقتصادية وسياسية وثقافية

فعندما تتحول المشاهدة إلى مال، يصبح الانتباه رأس مال. وعندما تصبح الشهرة مصدرًا للدخل، تصبح المنافسة على الشهرة شديدة. وعندما تكافئ الخوارزميات المحتوى القادر على جذب الانتباه، فإن بعض صناع المحتوى قد يجدون أنفسهم مدفوعين إلى تقديم المزيد من الإثارة، حتى لو كان ذلك على حساب الذوق العام أو القيم الاجتماعية.

ومن هنا تتحول القوة الناعمة إلى قوة سلوكية


فالقوة الناعمة التقليدية كانت تسعى إلى إقناع الناس بجاذبية ثقافة أو دولة أو نموذج سياسي. أما القوة الناعمة الرقمية فقد تتجاوز ذلك إلى التأثير في طريقة اللباس، واللغة، والاستهلاك، وأنماط العلاقات، ومفهوم النجاح، وصورة الإنسان عن نفسه وعن الآخرين.

ولا تحتاج هذه القوة إلى أن تقول للناس: "غيروا قيمكم". يكفي أن تجعلهم يشاهدون نماذج معينة بصورة متكررة حتى تصبح مألوفة، ثم مقبولة، وربما مرغوبة.

وهنا تكمن خطورة التكرار.

إن الإنسان لا يتأثر فقط بما يقتنع به، وإنما يتأثر أيضًا بما يراه باستمرار.

لكن هل الحل هو منع TikTok أو إغلاق المنصات؟

بالتأكيد لا.


المشكلة ليست في التكنولوجيا نفسها، وإنما في كيفية استخدامها وفي الحوافز الاقتصادية التي تحكمها. فنحن لا نستطيع أن نمنع أبناءنا من العالم الرقمي، ولكن نستطيع أن نعلمهم كيف يفهمونه.
نحتاج إلى بناء وعي رقمي حقيقي؛ أن يعرف الشباب كيف تعمل الخوارزميات، ولماذا يظهر لهم محتوى معين، وكيف يتحول التفاعل إلى قيمة اقتصادية، وأن يدركوا أن الشهرة ليست دائمًا دليلًا على النجاح، وأن ملايين المشاهدات لا تعني بالضرورة ملايين الأفكار الجيدة.
ونحتاج أيضًا إلى أن ندخل نحن، كأكاديميين ومثقفين وإعلاميين ومؤسسات تعليمية، إلى هذا الفضاء بدلًا من تركه بالكامل للمحتوى السريع.

إذا كان المحتوى التافه يستطيع الوصول إلى ملايين الناس خلال دقائق، فإن المعرفة أيضًا يجب أن تتعلم كيف تصل إلى الناس بالطريقة نفسها. المعركة إذن ليست بين التكنولوجيا والقيم، وإنما بين استخدام التكنولوجيا لصناعة الوعي واستخدامها فقط لصناعة الاستهلاك.
إن أخطر ما يمكن أن يحدث ليس أن يشاهد الإنسان محتوى تافهًا لدقائق، وإنما أن يصبح التافه هو المعيار الذي نقيس به النجاح، وأن تصبح الشهرة أهم من العلم، والمشاهدة أهم من المعرفة، والإثارة أهم من الأخلاق، والانتشار أهم من القيمة. في عصر اقتصاد الانتباه، لم تعد عقولنا خارج السوق؛ لقد أصبح انتباهنا نفسه سلعة.

ولهذا فإن السؤال الحقيقي ليس: هل نستخدم TikTok أم لا؟

السؤال الأعمق هو: من يملك انتباهنا؟ ومن يحدد ما نراه؟ ومن يربح من هذا الانتباه؟ والأهم من ذلك كله: ماذا يحدث لقيم المجتمع عندما يصبح ما يجذب الانتباه أكثر قيمة اقتصادية مما يبني الإنسان؟
إن أخطر أشكال القوة الناعمة ليست تلك التي تجبرك على تغيير رأيك، وإنما تلك التي تجعل التغيير يبدو لك طبيعيًا، تدريجيًا، وربما وكأنه اختيارك الشخصي.
وفي النهاية، قد لا تكون المعركة القادمة على الأرض أو في الفضاء، وإنما على شيء أكثر بساطة وأكثر خطورة: على انتباه الإنسان، وعلى ما يدخل إلى عقله كل يوم.

صور مميزة