أخبار قناة الشمس

×

اضغط هنا إن لم يقم المتصفح بتحويلك آليًا.

كريم عوده لعيبي العراقي. فالح حسون الدراجي. جمعهما الحب والأبداع والصداقة العظيمة حكايتهما كان عنوانها الوفاء.

كريم عوده لعيبي العراقي.   فالح حسون الدراجي.  جمعهما الحب والأبداع والصداقة العظيمة  حكايتهما كان عنوانها الوفاء.
 Karim Al-Iraqi - كريم العراقي·
كريم عوده لعيبي العراقي.
فالح حسون الدراجي.
جمعهما الحب والأبداع والصداقة العظيمة
حكايتهما كان عنوانها الوفاء.
ليست كلُّ الصداقات تستحق أن تُروى، فبعضها يولد صدفةً ويموت عند أول اختلاف، وبعضها تصنعه المصلحة، فإذا انتهت المصلحة انتهت الحكاية. لكن هناك صداقات نادرة، لا يعرف قيمتها إلا من عاشها، لأنها لا تقوم على المنفعة، ولا على الشهرة، ولا على الحسابات، بل على المحبة الخالصة، والوفاء، والصدق الذي لا يتغير مهما تعاقبت السنين، ومن بين هذه النماذج الإنسانية النادرة، تبرز العلاقة التي جمعت الكاتب والشاعر فالح حسون الدراجي بالشاعر الكبير كريم العراقي؛ علاقة بدأت في مقاعد الدراسة بمتوسطة المصطفى، حين كانا طالبين يحمل كلٌ منهما حلماً صغيراً، لا يدركان أن الأيام ستجمع اسميهما في رحلة تمتد لما يقارب ستة عقود، لتصبح واحدة من أجمل قصص الوفاء في الوسط الثقافي العراقي، لم تبدأ حكايتهما من شهرة أو منصب أو نجاح، بل بدأت من كتاب، ومن مكتبة مدرسة، ومن شغف بالقراءة والكلمة. ثم أخذت الأيام تنسج خيوط تلك العلاقة بهدوء، حتى أصبحت الأخوّة بينهما أقوى من رابطة الدم نفسها. فكان أحدهما يعرف الآخر قبل أن يتكلم، ويشعر بألمه قبل أن يبوح به، ويفرح لنجاحه كما لو أنه نجاحه الشخصي.
ورغم اختلاف الاهتمامات في البدايات، فإن الطريق جمعهما من جديد. كان فالح حسون شاباً مولعاً بالرياضة، معروفاً بين زملائه في ملاعب المدرسة، وكان يملك مستقبلاً واعداً في كرة القدم، بينما كان كريم العراقي يغوص في الكتب والقصائد ويصادق الكلمة منذ سنواته الأولى. لكن الأدب انتصر في النهاية، فترك فالح الملاعب متجهاً إلى الصحافة والشعر، بينما واصل كريم رحلته مع القصيدة حتى أصبح أحد أبرز شعراء الأغنية العربية، وظلت الصداقة تكبر مع كل نجاح يحققه أحدهما، مرّت عليهما سنوات الدراسة، ثم الشباب، ثم النضج، ثم المشيب، ولم يعرفا معنى القطيعة. عاشا معاً لحظات الفرح كما عاشا مرارة الخسارات، شهدا نجاحات كبيرة وإخفاقات مؤلمة، وودّعا أحبةً كثيرين، وتنقلا بين المقاهي والمنتديات والمدارس والبيوت، وصنعا معاً ذاكرةً يصعب على الزمن أن يمحوها، كانت صداقتهما أبعد من المجاملات. فقد عرف كل واحد منهما تفاصيل حياة الآخر، وأسراره، وأحلامه، وحتى أخطاءه. وفي سنوات المراهقة والشباب، حيث يكثر الاندفاع وتكثر الزلات، كان كلٌ منهما يسامح صاحبه قبل أن يعاتبه، ويبحث له عن العذر قبل أن يوجه إليه اللوم. ولهذا بقيت العلاقة نقية، لأن أساسها كان الصفح، لا المحاسبة، والمحبة، لا الكبرياء،ولم تكن بينهما منافسة تُفسد الود، رغم أنهما دخلا ميدان الإبداع معاً. بل كان أحدهما يرى في نجاح الآخر امتداداً لنجاحه، ويشعر بالفخر كلما ارتفع اسم صاحبه. وهذا ما جعل العلاقة تصمد أمام الشهرة، وهي امتحانٌ فشل فيه كثيرون، بينما نجح فيه الاثنان بامتياز، وكان كريم العراقي معروفاً بين أصدقائه بطيبته، وهدوء طبعه، وعفة لسانه، ونقاء قلبه، حتى إن من عاشره لم يذكر عنه كلمة جارحة أو موقفاً مشيناً. أما فالح حسون، فكان يرى فيه الإنسان قبل الشاعر، والأخ قبل الصديق، ولذلك ظل يردد أن خسارة كريم لم تكن خسارة شاعر كبير فحسب، بل خسارة روحٍ لا تتكرر، أما فالح، فقد كان بالنسبة لكريم أكثر من رفيق دراسة؛ كان شاهد العمر، وصاحب الذكريات، ورفيق الطريق الطويل الذي بدأ من الصفوف المدرسية، ولم يتوقف حتى آخر أيام حياته. ولهذا بقيت المكالمات واللقاءات بينهما تحمل حرارة البدايات نفسها، مهما أثقل التعب والسنين جسديهما.
لقد أثبتت تلك العلاقة أن الصداقة ليست كثرة اللقاءات، وإنما ثبات المواقف. وأن الأخ الحقيقي ليس من يولد معك، بل من يبقى معك حين تتغير الدنيا كلها. فمن السهل أن تجد من يشاركك النجاح، لكن من الصعب أن تجد من يقف إلى جانبك في التعب، ويشاركك الحزن، ويؤمن بك حين يضعف الجميع، إن قصة فالح حسون الدراجي وكريم العراقي ليست مجرد سيرة صديقين، بل وثيقة إنسانية عن زمنٍ كانت فيه العلاقات تُبنى على الصدق، والكلمة عهد، والوفاء أسلوب حياة. ولهذا بقيت صداقتهما، بعد أكثر من خمسين عاماً، مثالاً يُحتذى، لأنها لم تعرف المصلحة، ولم تتلوث بالنفاق، ولم تكسرها الغيرة، ولم تهزمها المسافات ولا قسوة الأيام.
وحين رحل كريم العراقي، لم تنتهِ الحكاية، لأن بعض الناس لا يرحلون من الذاكرة. يبقون في القصائد، وفي الضحكات، وفي تفاصيل الأمكنة، وفي الحنين الذي لا يشيخ. وهكذا بقي كريم في قلب فالح، لا بوصفه شاعراً كبيراً فحسب، بل بوصفه أخاً شاركه العمر بكل ما فيه من أفراح وأوجاع، حتى أصبحت صداقتهما واحدةً من أجمل الحكايات التي يمكن أن يكتبها عبدالله السامرائي.

صور مميزة