هل تعرفون ماذا نسيت ميسلون

ميسلون هادي
آخر مرة شربت فيها الماء من الحنفية كانت في العام 2010.
كنا عائدين من بلد عربي ماؤه مج جداً، لا يأتي من نهر جارٍ، وإذا أعددتَ منه الشاي سوف يتغير طعمه إلى نكهة مختلفة.
أتذكر هذا اليوم جيدا، لأني توجهت من سيارة السفر إلى حنفية المطبخ مباشرة، وملأتُ قدحا بالماء المتدفق، وشربته بارتواء شديد، ثم هتفت بصوت عال:
- الله هذا مو مي هذا شكر!. هذا أحلى من الشكر!!. هذا أطيب من الببسي والسفن والسينالكو!!
ضحك زوجي مني ضحكته اللطيفة، وهز رأسه أسفا على عقل زوجته السارح في ملكوته.
لم يوافقني على تجربة ماء الحنفية، وبقيتُ أشرب منه، لوحدي، كل يوم، وأصرُ على ذلك، إلى أن تحول الضحك إلى تحذيرات جدية، فأخذتُ اشرب الماء من البراد المربوط بدبات الماء الكبيرة، وانقطعت علاقتي بماء دجلة الجاري منذ ذلك العام.
منذ أيام وأنا حزينة، مثلي مثلكم، أسمع وأرى ولا أتكلم، ولا أريد أن أكتب عن ما أسمعه أيضا، غير أن الأفكار كالأطفال، لا يمكن السيطرة عليها، وعلى ركضها المجنون، فكانت تخرج عن طوعي، وتقول لي إن الطغاة، مهما كان جبروتهم، يسقطون في يوم واحد فقط، وينتهي عهدهم إلى غير رجعة، ولكن هذه الشبكات اللزجة، الملتصقة ببعضها البعض، من الصعوبة جدا أن تسقط، فكيف تسقط؟؟ إنها لا تُعدم ولا تنتحر، كما يحدث للطغاة، واذا قضيتَ على واحدة منها، فإنها لا تنتهي، وإنما تكون موجودة كالإرضة دون أن نراها.
دماغي المسكين حاول، بكل الوسائل الدفاعية، أن يُفرغ قلبي من همه، ويشغلني عنه بشيء آخر، وأخيرا تحايل علي بالنسيان، وجعلني أشعر بأني قد نسيت شيئا مهما جداً، فماذا نسيت؟؟
كتابي في يدي ودفاتري أمامي، فماذا نسيت؟ خارج البيت هنا وداخله هناك فماذا نسيت؟ المفتاح بالباب كالقرط، فماذا نسيت؟؟... الاسم في البال كالناي، فماذا نسيت؟؟.
قلبت على دماغي خطة دفاعه عني، وقلت له أنا أعرف الآن ماذا نسيت، ولا أذكر شيئا إلا ما نسيت.. نهضتُ من مكاني على الأريكة، وتوجهت إلى المطبخ، وشربت قدحا من ماء الحنفية، ففاض حزني على هذا الماء الطيب، ونزلت دموعي على ما نسيت.
حدث هذا البارحة
آخر مرة شربت فيها الماء من الحنفية كانت في العام 2010.
كنا عائدين من بلد عربي ماؤه مج جداً، لا يأتي من نهر جارٍ، وإذا أعددتَ منه الشاي سوف يتغير طعمه إلى نكهة مختلفة.
أتذكر هذا اليوم جيدا، لأني توجهت من سيارة السفر إلى حنفية المطبخ مباشرة، وملأتُ قدحا بالماء المتدفق، وشربته بارتواء شديد، ثم هتفت بصوت عال:
- الله هذا مو مي هذا شكر!. هذا أحلى من الشكر!!. هذا أطيب من الببسي والسفن والسينالكو!!
ضحك زوجي مني ضحكته اللطيفة، وهز رأسه أسفا على عقل زوجته السارح في ملكوته.
لم يوافقني على تجربة ماء الحنفية، وبقيتُ أشرب منه، لوحدي، كل يوم، وأصرُ على ذلك، إلى أن تحول الضحك إلى تحذيرات جدية، فأخذتُ اشرب الماء من البراد المربوط بدبات الماء الكبيرة، وانقطعت علاقتي بماء دجلة الجاري منذ ذلك العام.
منذ أيام وأنا حزينة، مثلي مثلكم، أسمع وأرى ولا أتكلم، ولا أريد أن أكتب عن ما أسمعه أيضا، غير أن الأفكار كالأطفال، لا يمكن السيطرة عليها، وعلى ركضها المجنون، فكانت تخرج عن طوعي، وتقول لي إن الطغاة، مهما كان جبروتهم، يسقطون في يوم واحد فقط، وينتهي عهدهم إلى غير رجعة، ولكن هذه الشبكات اللزجة، الملتصقة ببعضها البعض، من الصعوبة جدا أن تسقط، فكيف تسقط؟؟ إنها لا تُعدم ولا تنتحر، كما يحدث للطغاة، واذا قضيتَ على واحدة منها، فإنها لا تنتهي، وإنما تكون موجودة كالإرضة دون أن نراها.
دماغي المسكين حاول، بكل الوسائل الدفاعية، أن يُفرغ قلبي من همه، ويشغلني عنه بشيء آخر، وأخيرا تحايل علي بالنسيان، وجعلني أشعر بأني قد نسيت شيئا مهما جداً، فماذا نسيت؟؟
كتابي في يدي ودفاتري أمامي، فماذا نسيت؟ خارج البيت هنا وداخله هناك فماذا نسيت؟ المفتاح بالباب كالقرط، فماذا نسيت؟؟... الاسم في البال كالناي، فماذا نسيت؟؟.
قلبت على دماغي خطة دفاعه عني، وقلت له أنا أعرف الآن ماذا نسيت، ولا أذكر شيئا إلا ما نسيت.. نهضتُ من مكاني على الأريكة، وتوجهت إلى المطبخ، وشربت قدحا من ماء الحنفية، ففاض حزني على هذا الماء الطيب، ونزلت دموعي على ما نسيت.
حدث هذا البارحة