الذهنيون ومعضلة العمق- نقد أدبي د. آمنة مصطفى الهجرسي

أين نحن من ديوان العرب؟
يقولون : اختفى الشعر، ويقول أمثالي : كلا هو مجرد انزواء طبيعي حدث مشابه له في القرون القديمة ، ويقولون : عصر أقزام الشعر ، ويقول أمثالي بل عصر أقزام الجماهير وتفاهات المشاهير ويقولون : أصبح الشعر رفاهية خاصة بالنخبة ويقول أمثالي: طوال الوقت والشعر خاص جدا بالنخبة بدءا بمبدعيه وبالبلاطات التي كان يُلقى فيها قديما حيث الخلفاء والوزراء والعلماء والأدباء وحكام الإمارات من متذوقي الشعر وعارفي قيمته ومكانته ، طوال عصور الازدهار الأدبي والشعر يسكن برجا عاجيا ولا يرقى له سوى النخبة ثم هبط إلى الحياة الاجتماعية في القرون المتأخرة وازداد هبوطا في العصور التي طغت فيها الصنعة والمحسنات البديعية لأن المحتفين به يعرفون قيمة أن يحاطوا بالشعراء كلون من ألوان التشبه بما كان يحدث في بلاطات حكام العرب في العصور الذهبية لكل شيء تقريبا .. احتفظوا به كحلية وهم لا يتقنون العربية ، احتفظوا به كوسيلة لتمرير القبول بهم أو لتخليد تمجيد مزيف لهم وهم لا يعرفون شيئا عن علوم البلاغة والمعاني وغيرها … وهكذا دواليك حتى وصلنا إلى عصرنا هذا فعاد الشعر ليس فقط بمبدعيه وإنما أيضا بقاعدة جماهيرية صلبة ، مثقفة ، متفاعلة ومؤيدة ، وواعية جدا بما يستساغ في آفاق الشعر وبما يرفض ويعد من النشاز الغير لائق بديوان العرب وقيمته كان الشارع العربي هو الحاضنة الملكية لشعراء العصر الحديث…. أين جماهير اليوم من الأمس ؟؟؟ إلى أين انسحب الشعر؟؟ الكثير من شعراء هذه الأيام مجيدون وأصحاب أفكار ورؤى حية عكس ما يروج له ، ولكن هذه النصوص الجيدة وتلك الرؤى والأفكار وأحلام التغيير والنهوض باتت حبيسة المنتديات والصالونات والمؤسسات المعنية بالثقافة والأدب وآلاف المطبوعات والمدونات ذات الجمهور المحدود .
شعراء بلا جمهور حي
لقد أصبح الحديث عن الشعر في هذه الأيام حديثا ذا شجن ويبعث على الحزن لما آل إليه حال الشعرعلى أرض الشارع في ظل كثرة للشعراء المجيدين – على مستوى الفصيح الموزون بشقيه – وندرة للجمهور الحقيقي خارج أسوار المنتديات والمؤسسات الثقافية ؛ فالجمهور اليوم غارق في بحر التكنولوجيا وما تقدمه من محتويات متنوعة تعتمد على الإبهار البصري والسرعة الشديدة في تقديم المحتويات ، والأسوأ من ذلك هو أن غالبية الجماهير العريضة باتت أسيرة كل ما هو تافه وظريف ولم يعد هناك وقت للقراءة المتأنية أو الاستمتاع بالأعمال التي تنمي العقل وتبقيه في وضعية يقظة فما بالنا بقراءة الشعر المتعمق أو التعاطي مع محتوى قصيدة جيدة وهادفة وذات مغزى بعيد ؟ جمهور اليوم يميل جدا للمخدرات الذهنية بكل أنواعها والجميع على دراية بماهيتها دون الحاجة إلى التفصيل .. في العقود الأخيرة وجد شعراء الذهنية أنفسهم في مأزق كبير ومعضلة خطيرة تهدد طرق التوصيل بينهم وبين الجماهير على أرض الشارع مما أقحمهم في معاناة ذات شقين : الأول منها هو الشعور بالغربة داخل القصيدة نفسها فهي تُقدم في قالب رمزي وتُنسَج على أساس من الرؤى الفلسفية التي تحتاج إلى تأمل وبحث في الما وراء النص ووضع اليد على المغزى منها ، أما الشق الثاني فيتمثل فيما أسميه بالغربة الرقمية حيث يجد الشاعر نفسه مجبرا على التعامل من وراء شاشات عبر الضغط على الأزرار وسرعة التمرير والتفاعل اللحظي والتململ الجماهيري من المنشورات الطويلة وإدمان ما يقدمه ( الترند) عبر مواقع التواصل الاجتماعية الغير اجتماعية في الوقت نفسه . على الشاعر (ة) الذهني التعامل إذن وفق آليات جديدة وعليه أن يمتلك مهارات مختلفة عما ألفه سابقا للتعامل مع جمهور مغيّب ( بالمعنى الحرفي للكلمة) يبحث بكل الطرق الممكنة عما يشبع به رغباته السريعة ويغذي أدمغته بالدوبامين السريع عبر مجموعة لا نهائية من المحتويات التافهة ، تلك التي يعزز تقديمها المستثمرون من خلال ذكاء خوارزمياتهم وقدرتها الفائقة في التنبؤ باحتياجات ( الزبون) وتقديم ترشيحات جديدة وتافهة أيضا لإبقائه أطول فترة ممكنة أسيرا للـ (اسكرولنج) بلا توقف وتحقيق الهيمنة المطلوبة (التغييب من أجل القدرة على التشكيل والتوجيه أو الشلل الفكري.. هذه النوعية من الجمهور هي ما يواجهه الشاعر المسكين عبر الشاشات طوال الوقت لأن باقي الجمهور الواعي ( نسبة ضئيلة مقارنة بتلك) يمارسون حياتهم الواقعية ويتعاملون مع التكنولوجيا بإيجابية ولا يحبذون تضييع أوقاتهم الثمينة على السوشيال إلا في أضيق الحدود وهكذا يتضاعف الشعور بالغربة بين شاعر حي وجمهور شبه ميت يمارس الموت الواقعي نهارا عبر الدوران المرهق في دوامات الاحتياجات التي لا يلبى معظمها في الغالب ، ويمارس الموت الفكري ليلا عبر عمليات لا تنتهي من التصفح الغير آمن فيزداد موتا على موته…فما الحل؟
هل يتنازل الشاعر عن ذهنيته وحمله للواء الشعر الحقيقي ليقبل عليه الجمهور ؟!!! وإن حدث – والعياذ بالله- سيفقد مصداقية وسيسقط لواءه ، حتى وإن كان مدفوعا بحسن النية في بداية تنازلاته فهو بالتأكيد سينجرف مع تيار التفاهات ورغبات الجماهير،الجماهير التي لا تعرف شيئا عن قصص التاريخ ودروسه وعبره ولا الأساطير وطرق توظيفها ولا حتى الأفكار الفلسفية المختلفة بل ولا يعرفون شيئا عن علوم لغتهم الفصيحة!!!!! الجماهير التي تُعلي من شأن شطة وشاكوش وبيكا وترهات المهرجانات وتحتفي بالدراما الهابطة والألفاظ المشينة ، الجماهير التي تصفق عاليا للتافهين والتافهات بل ويضعونهم أحيانا في مصاف المرجعيات التي يؤخذ عنها كيف يعيش الناس!!! . شتان بين جمهور اليوم وجمهور الأمس فقد كان الأخير يمتلك الكثير من الوعي ويحتفظ بجزء كبير من فطرته السوية.
كان الشاعر في بدايات هذا العصروحتى وقت ليس ببعيد يقف ليلقي قصيدته على مسامع جمهوره دون حاجز يذكر، وكانت قراءة ما بين الشطور والتفعيلات تتم في نفس الوقت وهكذا يحدث الاتصال ؛ لأنه جمهور يعزف على نفس الوتيرة التي يعزف عليها شاعره . هناك نوع من التواصل الآني بأقل مجهود لأن القاعدة سليمة ، قوية ومتينة وهذا هو السبب الرئيس التي ساعد على ذيوع صيت شعراء تلك الفترات بل وإحداث تغيير ليس بالهين وبأقل وقت وأبسط التفعيلات إن جاز لي القول أدت غرضا مهما جدا وهو إيقاظ نسبة طيبة من الوعي بالجذور والهوية وإدراك قيمة الموروث اللغوي والحضاري والتاريخي ووضع الحدود لما ومن يصلح أن نتعاطى معه ومقدار الأخذ من الآخر بما لاسمح بالتماهي التام معه قيمة ( من نحن ) وهكذا ظهر المسرح الشعري الذي بث الشعراء من خلاله العديد من الأفكار والرؤى ونهضوا بلغتهم وأثبتوا جدارتها وقدرتها على التعاطي مع ملمات كل عصر، وكان هذا الظهور بمثابة تطور طبيعي ومستوى عظيم ومؤشر قوي على إدراك الجمهور لقيمة الشعر العربي الفصيح ، أما اليوم فالفجوة كبيرة جدا لقد ركد الشعرعلى مستوى الذيوع واحتفظ بمجراه لكن بعيدا عن الضفاف فلم يعد أحد يقف عليها ولا ينصب شمسيته هناك ، وعلى الشاعر الذهني أن يختار بنفسه وجهة لدفة قاربه الشعري .. نعم عليه أن يقوم بدور خطير أخير ، عليه أن يستعيد بوصلته من أيدي دعاة التنمية البشرية ومن هم على شاكلتهم ، ليس اعتراضا عليهم ولكن لأن الشاعر يحمل ميزة القدرة على الوصول المموسق وبمقدوره – إن توافرت له بعض الظروف والشروط – أن ينكأ الجراح لا لبث المزيد من الألم بل ليطهر الداخل عبرالبتر والكي وليعيد للشارع العربي ضبط بوصلته القديمة العريقة .
بين التوقف والاستمرار
لقد سار البعض وما أجودهم ضد التيار مما اضطرهم إلى الرسو عند أقرب ضفة والانزواء داخل الغابة بعيدا عن الأنظار احتراما لما يؤمن به ، لكن هل يُعقل أن يكون هذا هو الحل ؟!! واختار البعض وجهة أخرى ، متطلباتها صعبة وتفرض على صاحبها السباحة مع التيار ولكن بحذر شديد و في منتصف النهر لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء لأن الهدف طيب ويستحق النضال من أجله ولأن غريزة الشاعر داخل كل منهم تأبى الاستسلام ، لقد اعترف هؤلاء بوجود أزمة جماهيرية بحاجة إلى حل ليس ليحقق الظهور الشخصي الذي يصر عليه بعض المتشاعرين والمتشاعرات ، ولكن لأنه يعي تماما بحجم المسئولية الخطيرة الملقاه على عاتقه وهي لا تتمثل في إيقاظ النائمين فهذه كانت مهمة شعراء العقود السابقة وقد نجحوا فيها فيما يزعم أمثالي ولكن المتربصون بنا من كل حدب وصوب بثوا السموم الفكرية التي أصابت مجتماعتنا في مقتل ونجحوا في خلق فصيلة ” الزومبيز” …. المهمة اليوم أخطر وأعقد بكثير ، إنها تتمثل حرفيا في محاولة إحياء من أطلق عليهم نيتشه لقب ” الأموات الأموات” وهي مهمة عسيرة جدا ولكنها ليست مستحيلة لو تكاتف الشعراء وأصروا على الوصول لوجهتهم السامية .. على الشاعر اليوم أن يهبط إلى القاعدة لإصلاحها أي أن يبدأ من الصفر تماما كما نفعل مع أطفال الروضات ….عليه أن يبسط اللغة ولكن ليس إلى حد الإسفاف وعليه أن يعيد ما ابتدأه أجداده قديما من تعاط مع متطلبات البيئة التي يعيش فيها .. وقد يثير أحدهم تساؤلا هاما هنا : كيف ذلك مع بيئة معتلة تعاني من سائر الأمراض المجتمعية؟!! إن البيئة المريضة بحاجة إلى مشرط جراح ماهر غاص في أعماقها وتلاطمته أمواجها فأصر على مواجهتها لكبح جماح العواصف فيها وإعادة توجيهها بما ينفع وبث ذلك من خلال كلماته وصوره وتراكيبه وتحذيراته المستميتة ، ذلك هو النموذج الجيد لشاعر اليوم إن أراد المشاركة في عملية إعادة الإحياء الثانية وهي أشد وأنكى من سابقتها لأن القاعدة هناك كانت سليمة بينما قاعدة اليوم تعاني من صدأ سرطاني مستعص على الذوبان !! وفي جميع الأحوال سيكفي شعراء اليوم من المجيدين شرف المحاولة.
وعلى ما سبق فمن الطبيعي أن تجد الشاعر الحديث مشمرا عن سواعده لعرض نصوصه الشعرية عبر مختلف المنصات الالكترونية بل وستجده وقد انبرى للتعبير عن كل حدث وربما (ترند) مؤيدا أو معارضا ، مستحثا أو محذرا وهذا نطلق عليه “المواكبة الشعرية” وهو ليس بسٌبة كما يرى بعض المتصدرين لحمل لواء النقد فيُقال : شعراء المناسبات أو شعراء الوعظ والإرشاد ، بل إن ملمات المشهد الحالي في مجتماعتنا العربية تحتاج بشدة إلى قصائد الـ (الوعظ) أو الأخلاقيات علّها تعيد جزءا ولو ضئيلا مما افتقدناه في الشارع العربي ، علها تعيد للإنسان العربي فطرته وشعوره بقيمته وعراقته ومروءته وشهامته ، المهم في كل ما سبق أن يحافظ الشاعر على أصالته وجودة محتواه مع يسر طفيف في الوصول للمعنى والبعد قليلا عن الغموض الشديد تماما كمن يترك جزءا من بابه للسماح لضوء الشمس بالدخول حتى إذا ما أتى علينا يوم وأصلحنا جزءا من القاعدة عدنا لرسم اللوحات الشعرية كثيفة الصور ،عميقة الإيحاء .. وسيعود الجمهور للإلتفاف حول شعرائه والاحتفاء بهم والتصديق على لوحاتهم .. اليوم تجد الكثير من هؤلاء الشعراء يبحث عن قراء حقيقين ومتذوقين فعليين ، يسعى للانتشار الحقيقي والأثر الفعال الحقيقي .
وحتى يحدث ما يرجوه كل شاعر حر وشاعرة حرة سيظل مثل هؤلاء كمثل من يجلس داخل هالة من نور يحيط بها الظلام من كل جانب لكنه يصر على بقائها زيتها متقدا لجذب المزيد إليها علها تتسع في يوم من الأيام للجميع ..
يقولون : اختفى الشعر، ويقول أمثالي : كلا هو مجرد انزواء طبيعي حدث مشابه له في القرون القديمة ، ويقولون : عصر أقزام الشعر ، ويقول أمثالي بل عصر أقزام الجماهير وتفاهات المشاهير ويقولون : أصبح الشعر رفاهية خاصة بالنخبة ويقول أمثالي: طوال الوقت والشعر خاص جدا بالنخبة بدءا بمبدعيه وبالبلاطات التي كان يُلقى فيها قديما حيث الخلفاء والوزراء والعلماء والأدباء وحكام الإمارات من متذوقي الشعر وعارفي قيمته ومكانته ، طوال عصور الازدهار الأدبي والشعر يسكن برجا عاجيا ولا يرقى له سوى النخبة ثم هبط إلى الحياة الاجتماعية في القرون المتأخرة وازداد هبوطا في العصور التي طغت فيها الصنعة والمحسنات البديعية لأن المحتفين به يعرفون قيمة أن يحاطوا بالشعراء كلون من ألوان التشبه بما كان يحدث في بلاطات حكام العرب في العصور الذهبية لكل شيء تقريبا .. احتفظوا به كحلية وهم لا يتقنون العربية ، احتفظوا به كوسيلة لتمرير القبول بهم أو لتخليد تمجيد مزيف لهم وهم لا يعرفون شيئا عن علوم البلاغة والمعاني وغيرها … وهكذا دواليك حتى وصلنا إلى عصرنا هذا فعاد الشعر ليس فقط بمبدعيه وإنما أيضا بقاعدة جماهيرية صلبة ، مثقفة ، متفاعلة ومؤيدة ، وواعية جدا بما يستساغ في آفاق الشعر وبما يرفض ويعد من النشاز الغير لائق بديوان العرب وقيمته كان الشارع العربي هو الحاضنة الملكية لشعراء العصر الحديث…. أين جماهير اليوم من الأمس ؟؟؟ إلى أين انسحب الشعر؟؟ الكثير من شعراء هذه الأيام مجيدون وأصحاب أفكار ورؤى حية عكس ما يروج له ، ولكن هذه النصوص الجيدة وتلك الرؤى والأفكار وأحلام التغيير والنهوض باتت حبيسة المنتديات والصالونات والمؤسسات المعنية بالثقافة والأدب وآلاف المطبوعات والمدونات ذات الجمهور المحدود .
شعراء بلا جمهور حي
لقد أصبح الحديث عن الشعر في هذه الأيام حديثا ذا شجن ويبعث على الحزن لما آل إليه حال الشعرعلى أرض الشارع في ظل كثرة للشعراء المجيدين – على مستوى الفصيح الموزون بشقيه – وندرة للجمهور الحقيقي خارج أسوار المنتديات والمؤسسات الثقافية ؛ فالجمهور اليوم غارق في بحر التكنولوجيا وما تقدمه من محتويات متنوعة تعتمد على الإبهار البصري والسرعة الشديدة في تقديم المحتويات ، والأسوأ من ذلك هو أن غالبية الجماهير العريضة باتت أسيرة كل ما هو تافه وظريف ولم يعد هناك وقت للقراءة المتأنية أو الاستمتاع بالأعمال التي تنمي العقل وتبقيه في وضعية يقظة فما بالنا بقراءة الشعر المتعمق أو التعاطي مع محتوى قصيدة جيدة وهادفة وذات مغزى بعيد ؟ جمهور اليوم يميل جدا للمخدرات الذهنية بكل أنواعها والجميع على دراية بماهيتها دون الحاجة إلى التفصيل .. في العقود الأخيرة وجد شعراء الذهنية أنفسهم في مأزق كبير ومعضلة خطيرة تهدد طرق التوصيل بينهم وبين الجماهير على أرض الشارع مما أقحمهم في معاناة ذات شقين : الأول منها هو الشعور بالغربة داخل القصيدة نفسها فهي تُقدم في قالب رمزي وتُنسَج على أساس من الرؤى الفلسفية التي تحتاج إلى تأمل وبحث في الما وراء النص ووضع اليد على المغزى منها ، أما الشق الثاني فيتمثل فيما أسميه بالغربة الرقمية حيث يجد الشاعر نفسه مجبرا على التعامل من وراء شاشات عبر الضغط على الأزرار وسرعة التمرير والتفاعل اللحظي والتململ الجماهيري من المنشورات الطويلة وإدمان ما يقدمه ( الترند) عبر مواقع التواصل الاجتماعية الغير اجتماعية في الوقت نفسه . على الشاعر (ة) الذهني التعامل إذن وفق آليات جديدة وعليه أن يمتلك مهارات مختلفة عما ألفه سابقا للتعامل مع جمهور مغيّب ( بالمعنى الحرفي للكلمة) يبحث بكل الطرق الممكنة عما يشبع به رغباته السريعة ويغذي أدمغته بالدوبامين السريع عبر مجموعة لا نهائية من المحتويات التافهة ، تلك التي يعزز تقديمها المستثمرون من خلال ذكاء خوارزمياتهم وقدرتها الفائقة في التنبؤ باحتياجات ( الزبون) وتقديم ترشيحات جديدة وتافهة أيضا لإبقائه أطول فترة ممكنة أسيرا للـ (اسكرولنج) بلا توقف وتحقيق الهيمنة المطلوبة (التغييب من أجل القدرة على التشكيل والتوجيه أو الشلل الفكري.. هذه النوعية من الجمهور هي ما يواجهه الشاعر المسكين عبر الشاشات طوال الوقت لأن باقي الجمهور الواعي ( نسبة ضئيلة مقارنة بتلك) يمارسون حياتهم الواقعية ويتعاملون مع التكنولوجيا بإيجابية ولا يحبذون تضييع أوقاتهم الثمينة على السوشيال إلا في أضيق الحدود وهكذا يتضاعف الشعور بالغربة بين شاعر حي وجمهور شبه ميت يمارس الموت الواقعي نهارا عبر الدوران المرهق في دوامات الاحتياجات التي لا يلبى معظمها في الغالب ، ويمارس الموت الفكري ليلا عبر عمليات لا تنتهي من التصفح الغير آمن فيزداد موتا على موته…فما الحل؟
هل يتنازل الشاعر عن ذهنيته وحمله للواء الشعر الحقيقي ليقبل عليه الجمهور ؟!!! وإن حدث – والعياذ بالله- سيفقد مصداقية وسيسقط لواءه ، حتى وإن كان مدفوعا بحسن النية في بداية تنازلاته فهو بالتأكيد سينجرف مع تيار التفاهات ورغبات الجماهير،الجماهير التي لا تعرف شيئا عن قصص التاريخ ودروسه وعبره ولا الأساطير وطرق توظيفها ولا حتى الأفكار الفلسفية المختلفة بل ولا يعرفون شيئا عن علوم لغتهم الفصيحة!!!!! الجماهير التي تُعلي من شأن شطة وشاكوش وبيكا وترهات المهرجانات وتحتفي بالدراما الهابطة والألفاظ المشينة ، الجماهير التي تصفق عاليا للتافهين والتافهات بل ويضعونهم أحيانا في مصاف المرجعيات التي يؤخذ عنها كيف يعيش الناس!!! . شتان بين جمهور اليوم وجمهور الأمس فقد كان الأخير يمتلك الكثير من الوعي ويحتفظ بجزء كبير من فطرته السوية.
كان الشاعر في بدايات هذا العصروحتى وقت ليس ببعيد يقف ليلقي قصيدته على مسامع جمهوره دون حاجز يذكر، وكانت قراءة ما بين الشطور والتفعيلات تتم في نفس الوقت وهكذا يحدث الاتصال ؛ لأنه جمهور يعزف على نفس الوتيرة التي يعزف عليها شاعره . هناك نوع من التواصل الآني بأقل مجهود لأن القاعدة سليمة ، قوية ومتينة وهذا هو السبب الرئيس التي ساعد على ذيوع صيت شعراء تلك الفترات بل وإحداث تغيير ليس بالهين وبأقل وقت وأبسط التفعيلات إن جاز لي القول أدت غرضا مهما جدا وهو إيقاظ نسبة طيبة من الوعي بالجذور والهوية وإدراك قيمة الموروث اللغوي والحضاري والتاريخي ووضع الحدود لما ومن يصلح أن نتعاطى معه ومقدار الأخذ من الآخر بما لاسمح بالتماهي التام معه قيمة ( من نحن ) وهكذا ظهر المسرح الشعري الذي بث الشعراء من خلاله العديد من الأفكار والرؤى ونهضوا بلغتهم وأثبتوا جدارتها وقدرتها على التعاطي مع ملمات كل عصر، وكان هذا الظهور بمثابة تطور طبيعي ومستوى عظيم ومؤشر قوي على إدراك الجمهور لقيمة الشعر العربي الفصيح ، أما اليوم فالفجوة كبيرة جدا لقد ركد الشعرعلى مستوى الذيوع واحتفظ بمجراه لكن بعيدا عن الضفاف فلم يعد أحد يقف عليها ولا ينصب شمسيته هناك ، وعلى الشاعر الذهني أن يختار بنفسه وجهة لدفة قاربه الشعري .. نعم عليه أن يقوم بدور خطير أخير ، عليه أن يستعيد بوصلته من أيدي دعاة التنمية البشرية ومن هم على شاكلتهم ، ليس اعتراضا عليهم ولكن لأن الشاعر يحمل ميزة القدرة على الوصول المموسق وبمقدوره – إن توافرت له بعض الظروف والشروط – أن ينكأ الجراح لا لبث المزيد من الألم بل ليطهر الداخل عبرالبتر والكي وليعيد للشارع العربي ضبط بوصلته القديمة العريقة .
بين التوقف والاستمرار
لقد سار البعض وما أجودهم ضد التيار مما اضطرهم إلى الرسو عند أقرب ضفة والانزواء داخل الغابة بعيدا عن الأنظار احتراما لما يؤمن به ، لكن هل يُعقل أن يكون هذا هو الحل ؟!! واختار البعض وجهة أخرى ، متطلباتها صعبة وتفرض على صاحبها السباحة مع التيار ولكن بحذر شديد و في منتصف النهر لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء لأن الهدف طيب ويستحق النضال من أجله ولأن غريزة الشاعر داخل كل منهم تأبى الاستسلام ، لقد اعترف هؤلاء بوجود أزمة جماهيرية بحاجة إلى حل ليس ليحقق الظهور الشخصي الذي يصر عليه بعض المتشاعرين والمتشاعرات ، ولكن لأنه يعي تماما بحجم المسئولية الخطيرة الملقاه على عاتقه وهي لا تتمثل في إيقاظ النائمين فهذه كانت مهمة شعراء العقود السابقة وقد نجحوا فيها فيما يزعم أمثالي ولكن المتربصون بنا من كل حدب وصوب بثوا السموم الفكرية التي أصابت مجتماعتنا في مقتل ونجحوا في خلق فصيلة ” الزومبيز” …. المهمة اليوم أخطر وأعقد بكثير ، إنها تتمثل حرفيا في محاولة إحياء من أطلق عليهم نيتشه لقب ” الأموات الأموات” وهي مهمة عسيرة جدا ولكنها ليست مستحيلة لو تكاتف الشعراء وأصروا على الوصول لوجهتهم السامية .. على الشاعر اليوم أن يهبط إلى القاعدة لإصلاحها أي أن يبدأ من الصفر تماما كما نفعل مع أطفال الروضات ….عليه أن يبسط اللغة ولكن ليس إلى حد الإسفاف وعليه أن يعيد ما ابتدأه أجداده قديما من تعاط مع متطلبات البيئة التي يعيش فيها .. وقد يثير أحدهم تساؤلا هاما هنا : كيف ذلك مع بيئة معتلة تعاني من سائر الأمراض المجتمعية؟!! إن البيئة المريضة بحاجة إلى مشرط جراح ماهر غاص في أعماقها وتلاطمته أمواجها فأصر على مواجهتها لكبح جماح العواصف فيها وإعادة توجيهها بما ينفع وبث ذلك من خلال كلماته وصوره وتراكيبه وتحذيراته المستميتة ، ذلك هو النموذج الجيد لشاعر اليوم إن أراد المشاركة في عملية إعادة الإحياء الثانية وهي أشد وأنكى من سابقتها لأن القاعدة هناك كانت سليمة بينما قاعدة اليوم تعاني من صدأ سرطاني مستعص على الذوبان !! وفي جميع الأحوال سيكفي شعراء اليوم من المجيدين شرف المحاولة.
وعلى ما سبق فمن الطبيعي أن تجد الشاعر الحديث مشمرا عن سواعده لعرض نصوصه الشعرية عبر مختلف المنصات الالكترونية بل وستجده وقد انبرى للتعبير عن كل حدث وربما (ترند) مؤيدا أو معارضا ، مستحثا أو محذرا وهذا نطلق عليه “المواكبة الشعرية” وهو ليس بسٌبة كما يرى بعض المتصدرين لحمل لواء النقد فيُقال : شعراء المناسبات أو شعراء الوعظ والإرشاد ، بل إن ملمات المشهد الحالي في مجتماعتنا العربية تحتاج بشدة إلى قصائد الـ (الوعظ) أو الأخلاقيات علّها تعيد جزءا ولو ضئيلا مما افتقدناه في الشارع العربي ، علها تعيد للإنسان العربي فطرته وشعوره بقيمته وعراقته ومروءته وشهامته ، المهم في كل ما سبق أن يحافظ الشاعر على أصالته وجودة محتواه مع يسر طفيف في الوصول للمعنى والبعد قليلا عن الغموض الشديد تماما كمن يترك جزءا من بابه للسماح لضوء الشمس بالدخول حتى إذا ما أتى علينا يوم وأصلحنا جزءا من القاعدة عدنا لرسم اللوحات الشعرية كثيفة الصور ،عميقة الإيحاء .. وسيعود الجمهور للإلتفاف حول شعرائه والاحتفاء بهم والتصديق على لوحاتهم .. اليوم تجد الكثير من هؤلاء الشعراء يبحث عن قراء حقيقين ومتذوقين فعليين ، يسعى للانتشار الحقيقي والأثر الفعال الحقيقي .
وحتى يحدث ما يرجوه كل شاعر حر وشاعرة حرة سيظل مثل هؤلاء كمثل من يجلس داخل هالة من نور يحيط بها الظلام من كل جانب لكنه يصر على بقائها زيتها متقدا لجذب المزيد إليها علها تتسع في يوم من الأيام للجميع ..