أخبار قناة الشمس

×

اضغط هنا إن لم يقم المتصفح بتحويلك آليًا.

قصة قصيرة النخلة الابراهيمية

قصة قصيرة  النخلة الابراهيمية
 قصة قصيرة

النخلة الابراهيمية



تَعْمَلُ والِدَتِي طَوالَ اليَوْمِ، لَمْ تَأْخُذْنِي إِلَى المَدْرَسَةِ يَوْماً، وَعَلَيَّ أَنْ اِمْشِيَ لِكِيلُومِترَيْنِ تَقْرِيباً لِأَصِلَ إِلَى مَدْرَسَتِي، وَهُوَ أَمْرٌ جَيِّدٌ بِالنِسْبَةِ لِي؛ لِأَنَّنِي أُحِبُّ قطَعَ المَسافَةِ وَحْدِي حَتَّى أَصِلَ إِلَى الشارِعِ العامِّ، خاصَّةً فِي أَيّامِ الخَرِيفِ، عِنْدَما يَكُونُ الهَواءُ بارِداً، وَيَخْتَفِي الذُبابُ وَالبَعُوضُ، أُحِبُّ الهُدُوءَ وَالصَمْتَ وَالمَشْيَ.



النَخِيلُ الجَمِيلُ يَرْتَدِي زَخْرَفَةً خَضْراءَ زاهِيَةً يُغْرِينِي بَعِيداً عَنْ المَسارِ، أَقِفُ لِلنَظَرِ إِلَيْهِ، أَعْلَمُ أَنَّنِي غَرِيبَةُ الأَطْوارِ، صَبْيَةٌ يافِعَةٌ تَبْلُغُ مِنْ العُمْرِ أَرْبَعَةَ عَشَرَ عاماً تَدْعُو النَخِيلَ إِلَى الاِنْحِناءِ إِلَيْها بِدَلالٍ، لَقَدْ كانَ أَبِي هُوَ الَّذِي عَلَّمَنِي أَنْ أُقَدِّرَ الأَشْجارَ قَبْلَ أَنْ يَشْنُقَ نَفْسَهُ بِجِذْعِ نَخْلَةٍ، أَنا أُحِبُّها أَكْثَرَ، كانَ أَبِي يُسَمِّيها شَجَرَةَ الراحَةِ، قالَ أَبِي أَنَّ الأَشْجارَ كُلَّها هِيَ أَشْجارٌ مُرِيحَةٌ.



أَبْحَثُ فِي أَشْجارِ النَخِيلِ عَنْ سَعْفَةٍ بُرْتُقالِيَّةٍ مِثالِيَّةٍ- أَعْتَقِدُ أَنَّنِي سَأَجْعَلُ مِنْ أَوْراقِها عُشّاً صَغِيراً لِبُلْبُلٍ سَأَصْطادُهُ يَوْماً كَما فَعَلْتُ عِنْدَما كُنْتُ طِفْلَةً- لٰكِنْ لا يُمْكِنُنِي العُثُورُ عَلَى سَعْفَةٍ بُرْتُقالِيَّةٍ مِثالِيَّةٍ إِلّا فِي عُنُقِ النَخْلَةِ، لا يَهُمُّ لَيْسَ لَدَيَّ حَتَّى بُلْبُلاً فِي البَيْتِ، نَحْنُ لا نَحْتَفِظُ بِالطُيُورِ فِي المَنْزِلِ.



اِتَّبَعْ خَطّاً مِنْ الفَسائِلِ المُلْتَصِقَةِ ذِي السَعَفاتِ الصَغِيرَةِ إِلَى ساقِيَةِ الماءِ، وَهُوَ بُسْتانٌ مِنْ الأَشْجارِ المُتَلاصِقَةِ يَنْمُو مِنْ نِظامِ السَقْيِ، قالَ أَبِي:



اِسْقِي النَخْلَةَ حَتَّى تَرْوِيَ، أَتَساءَلُ يا أَبِي، هَلْ تَطْلّبَ الأَمْرُ شَجاعَةً لِقَتْلِ نَفْسِكَ؟ أَلا تَهْتَمُّ لِتَرْكِي وَحِيدَةً؟



الاِكْتِئابُ شِرِّيرٌ أَقْنَعَ هٰذا الشِرِّيرُ والِدَكَ بِأَنَّ العالَمَ سَيَكُونُ أَفْضَلَ بِدُونِهِ قالَتْ النَخْلَةُ!



كانَ بِإِمْكانِي قَتْلُ الشِرِّيرِ، إِذا كُنْتِ قَدْ أَخْبَرَتِي أَبِي فَقَطْ كَمْ أُحِبُّهُ وَأَحْتاجُهُ.



أَتَنَفَّسُ الصُعَداءَ، أُحاوِلُ أَنْ آخُذَ نَفَساً أَعْمَقَ، أَسْتَنْشِقُ الرائِحَةَ الرَطْبَةَ لِلأَوْساخِ البارِدَةِ وَالأَوْراقِ المُتَساقِطَةِ، أَشُمُّ رائِحَةَ أَبِي مِنْ مَزِيجِ التَحَلُّلِ وَالدَمِ القَدِيمِ، لَمْ أَكُنْ أَعْرِفُ ما هِيَ الرائِحَةُ عِنْدَما كُنْتُ طِفْلَةً، لَمْ أَكُنْ أَعْرِفُ ما الَّذِي فَعَلَهُ الطَبِيبُ الشَرْعِيُّ، كانَتْ الرائِحَةُ كَثِيفَةً رائِحَةَ والِدِي حُلْوَةً، كُنْتُ أَعْرِفُ فَقَطْ، أَنَّ الرائِحَةَ كانَتْ والِدِي، لَدَيَّ صَدِيقُ "وَريوش" اِبْنُ جارَتِنا نَرْجِسٌ، يُحِبُّ رائِحَةَ الكُرْطَةِ.



حَقِيبَتِي خَفِيفَةٌ، لا كُتُبَ، لا أَيُّ واجِباتٍ مَنْزِلِيَّةٍ كَثِيرَةٍ، نَظَراً لِنِهايَةِ النِصْفِ الأَوَّلِ مِنْ السَنَةِ، وَالأُسْبُوعِ الَّذِي يَسْبِقُ عُطْلَةَ نِصْفِ السَنَةِ، لا يُضِيفُ المُعَلِّمُونَ المَزِيدَ مِنْ الواجِباتِ أَوْ اِقْتِطاعَ القَلِيلِ مِنْ الدَرَجاتِ، أَسْقِطَ حَقِيبَتِي تَحْتَ صَفْصافَةٍ، أَخْلَعُ فَرْعاً مِنْ أَوْراقِها، أَجْلِسُ عَلَى صَخْرَةٍ، أَتَظاهَرُ بِالصَيْدِ،



طَرْقٌ عَلَى جِذْعِ نَخْلَةٍ،



أَقُولُ مِنْ هُناكَ؟



السَمَكُ يَقْفِزُ خارِجَ الماءِ



أَبِي هَلْ هٰذا أَنْتَ؟



وَصَلْتُ لِأُمْسِكَهُ، لٰكِنَّهُ يَنْزَلِقُ مِنْ بَيْنِ أَصابِعِي، كَيْفَ تَرَكْتُ والِدِي يُفْلِتُ مِنْ بَيْنِ أَصابِعِي؟



لَمْ يَكُنْ خَطَأَكِ، لَمْ يَكُنْ هُناكَ شَيْءٌ يُمْكِنُكِ القِيامُ بِهِ- قالَها الناسُ، قالَتْ أُمِّي غَيْرَ ذٰلِكَ، لٰكِنَّنِي أَعْلَمُ أَنَّ أُمِّي لا تَغْفِرُ بِهٰذِهِ الطَرِيقَةِ…!؟



اِحْتَفَظُ بِصُوَرِ أَبِي فِي صُنْدُوقِ كُتُبِي، تَبْدُو عَيْناهُ حَزِينَتَيْنِ حَتَّى عِنْدَما يَبْتَسِمُ وَجْهُهُ، فِي صُورَةِ عِيدِ الفِطْرِ، نَرْتَدِي قُبَّعاتٍ حَمْراءَ مُتَطابِقَةً عَلَى رُؤُوسِنا مَخْرُوطُ الوَرَقِ نَوْعاً ما مَعَ الأَرْبِطَةِ المَرِنَةِ الَّتِي تَجْلِسُ تَحْتَ ذُقُونِنا، جَسَدُهُ يَمِيلُ إِلَيَّ، ذِراعاهُ تُعانِقانِي بِحَماسٍ، يَنْظُرُ إِلَيَّ، أُلْقِي نَظْرَةً عَلَى يَدَيْهِ، فَمِي مَفْتُوحٌ فِي وَضْعِ الاِسْتِعْدادِ لِاِخْتِطافِ قِبْلَةِ العِيدِ، أَنا سَعِيدَةٌ، كُنّا سُعَداءَ، لٰكِنِّي أَرَى حُزْنَهُ اِلْتَقَطَتْهُ الصُورَةُ، رُبَّما لِأَنَّ اِبْتِسامَتَهُ تُشْبِهُ إِلَى حَدٍّ ما نَفْسِ الاِبْتِسامَةِ المُزَيَّفَةِ، فَأَنا أَصْنَعُها فِي جَمِيعِ صُوَرِ مَدْرَسَتِي، رُبَّما لِأَنَّ شَفَتَيْهِ جافَّةٌ، وَتَبْدُو مَشْدُودَةً قَلِيلاً عَلَى أَسْنانِهِ، أَوْ لِأَنَّ زَوايا فَمِهِ لا تَصْعَدُ إِلَى خَدَّيْهِ بِطَرِيقَةٍ سَهْلَةٍ.



لَقَدْ تَأَخَّرْتُ سَبْعُ سَنَواتٍ عَنْ المَزِيدِ مِنْ التَقْبِيلِ فِي الأَعْيادِ، لَقَدْ تَأَخَّرْتُ سَبْعُ سَنَواتٍ عَلَى جَعْلِهِ يَضْحَكُ، تَأَخَّرْتُ سَبْعُ سَنَواتٍ عَلَى جَعْلِهِ أَكْثَرَ سَعادَةً، وَتَأَخَّرْتُ سَبْعُ سَنَواتٍ لِمَنْحِهِ أَسْباباً لِلبَقاءِ، كانَ يَجِبُ أَنْ أَجْعَلَهُ يَتَراجَعَ عَنْ تَرْكِي.



أُرِيدُ أَنْ أُخْبِرَ أُمِّي أَنَّنِي أَمْشِي فِي البُسْتانِ، لٰكِنَّها قَلِقَةٌ، سَمِعْتُها تَقُولُ "النَخْلَةُ الإِبْراهِيمِيَّةُ" سَأَقْضِي حَياتِي فِي مُحاوَلَةِ كَشْفِ لُغْزِها لِإِعادَةِ أَبِي إِلَى قَيْدِ الحَياةِ، هِيَ تَعْنِي لِي حَياتِي كُلَّها، هِيَ تَعْنِي إِبْقائِي حَيَّةً، أُرِيدُ أَنْ أَقُولَ لَها إِنَّ سِرَّها يَجْعَلُنِي غاضِبَةً، أَنَّهُ يَسْحَقنِي، وَأَنَّهُ يُهُدّنِي، أُرِيدُ أَنْ أَقُولَ لَها لا تَقْلَقِي عَلَيَّ سَأَكْشِفُ سِرَّكِ، لٰكِنَّنِي خائِفَةٌ، أَنا خائِفَةٌ كَما لَوْ أَنَّ مَكْرَهاً هاجِس المُشْكِلَةِ...!؟



اِلْتَقَطْتُ حَقِيبَتِي، وَاِتَّبَعْتُ الساقِيَةَ الَّتِي تُؤَدِّي إِلَى "النَخْلَةِ



الإِبْراهِيمِيَّةِ" فِي الفِناءِ الداخِلِيِّ، إِلَى النُدْبَةِ السَوْداءِ عَلَى جِذْعِها



حَيْثُ وَصَلَتْ إِحْدَى سَعَفاتِها السَمِيكَةِ اليابِسَةِ إِلَى الأَرْضِ، دَقَّقْتُ النَظَرَ فِيها، اِسْتَهْوَتْنِي، لَمَسْتها ثُمَّ تَمَسَّكْتُ بِها، بَعْدَها رَفَعْتُ قَدَمِي مِنْ الأَرْضِ، وَحاوَلْتُ الاِلْتِفافَ حَوْلَ النَخْلَةِ لِمَرَّتَيْنِ، وَفِي الثالِثَةِ حاوَلْتُ التَخَلِّيَ عَنْها، لٰكِنَّها تَمَسَّكَتْ بِيَدِي!، رَفَعْتُ رَأْسِي وَإِذا بِسَعْفَةٍ أُخْرَى تَدَلَّتْ أَكْثَرَ وَكَأَنَّها تُعانِقُنِي، مَدَدْتُ يَدِي اليُسْرَى إِلَيْها، وَتَسَلَّقْتُ الجِذْعَ القَصِيرَ، لامَسْتُ عُنُقَ النَخْلَةِ بِيَدِي، فَشَعَرْتُ بِراحَةٍ تامَّةٍ وَرائِحَةٍ غَرِيبَةٍ، ثُمَّ اِقْتَطَعْتُ سَبْعَ تَمَراتٍ وَأَنا جالِسَةٌ عَلَى إِحْدَى سَعَفاتِها الَّتِي أَوْصَلَتْنِي إِلَى الأَرْضِ، أَشُمُّ رائِحَةَ التَحَلُّلِ وَالدَمِ القَدِيمِ، حِينَ لامَسْتْ قَدَمَيَ الأَرْضَ، شَمَمْتُ رائِحَةَ أَبِي، الرائِحَةَ الَّتِي عَلَّمَنِي أَبِي أَنْ أُلاحِظَها، أَشْعُرُ بِالقُوَّةِ فِي جِذْعِ النَخْلَةِ الإِبْراهِيمِيَّةِ.



أَرَى فِي المَطْبَخِ سَلَّةً مَلِيئَةً بِالتَمْرِ، مَمْلُوءَةً بِالكَدَماتِ، سَلَّةٌ مِنْ خُوصِ النَخِيلِ الأَصْفَرِ مَلِيئَةً بِالتَمْرِ المُجَعَّدِ، شَغَلَنِي لِماذا الوِعاءُ هُناكَ، سَبْعُ سَنَواتٍ مِنْ التَمْرِ فِي سَلَّةٍ مِنْ خُوصِ النَخِيلِ جالِسَةً عَلَى مِنْضَدَةِ المَطْبَخِ، وَأَنا الآنَ فَقَطْ أَرَى لِماذا تَضَعُها أُمِّي هُناكَ، "التَمْرُ وَالنَخِيلُ" سَأَقْضِي حَياتِي فِي مُحاوَلَةٍ لِإِعادَةِ أَبِي إِلَى قَيْدِ الحَياةِ، النَخْلَةُ أَبِي أَنا التَمْر.



أَسْحَبُ كُلَّ تَمْرَةٍ مِنْ السَلَّةِ، أَصِّفُها عَلَى المِنْضَدَةِ مَعَ سَبْعِ التَمَراتِ الَّتِي لَدَيَّ، سَبْعُ تَمَراتٍ، سَبْعُ سَنَواتٍ، أَفْحَصُ كُلَّ تَمْرَةٍ بَحْثاً عَنْ كَدَماتٍ، لَيْسَتْ كَدْمَةً واحِدَةً عَلَى أَيٍّ مِنْ التَمَراتِ، إِنَّها عَلامَةٌ، بُرْجِي، أَنا تَمُرَّةٌ فَقَطْ مِنْ أَفْضَلِ أَجْزاءِ النَخْلَةِ، أَشْعُرُ بِأَنَّنِي أَطْوَلُ، أَنا أَقْوَى، أَنا واثِقَةٌ مِنْ ذٰلِكَ، لَقَدْ قَتَلْتُ الشِرِّيرَ الَّذِي كانَ يَخْتَبِئُ فِي



مَطْبَخُ أُمِّي...!



"أُمِّي" عِنْدَما أَدْخَلَ المَطْبَخ لا داعِيَ لِلقَلَقِ عَلَيَّ بَعْدَ الآنَ.







سعيد الوائلي

الولايات المتحدة الامريكية

صور مميزة