أخبار قناة الشمس

×

اضغط هنا إن لم يقم المتصفح بتحويلك آليًا.

المحسوبيات على حساب الإبداع بقلمي فريدة الجوهري لبنان

المحسوبيات على حساب الإبداع بقلمي فريدة الجوهري لبنان
 المحسوبيات على حساب الإبداع

في المجتمعات التي تتغذّى على الوعي، تُقاس قيمة الإنسان بما يقدّمه من فكرٍ صادق وكلمةٍ مسؤولة. غير أنّ واقعًا مغايرًا يفرض نفسه في كثير من البيئات الثقافية والإعلامية، حيث تتقدّم المحسوبيات لتزيح الكفاءة، وتُخنق الكلمة المميزة تحت ثقل العلاقات والمصالح.

المحسوبية، في جوهرها، ليست مجرد تفضيلٍ شخصي، بل هي منظومة غير معلنة تُدار فيها الفرص والنجاحات خارج ميزان الاستحقاق. يُكافأ القريب لا المبدع، ويُسمَع الصوت المدعوم لا الصادق. وهكذا تتحوّل المنابر إلى مساحات مُغلقة، تُكرَّس فيها أسماء بعينها، بينما تُقصى الطاقات الجيّدة التي لا تمتلك «الوساطة» وإن امتلكت الموهبة.

تدفع الكلمة الحرة ثمنًا باهظًا في هذا السياق. فالكاتب أو المفكّر الذي يرفض الانخراط في شبكات المصالح يجد نفسه على الهامش، لا لضعفٍ في نصوصه، بل لقوة موقفه. تُحاصَر آراؤه وكتابته بالصمت، أو تُواجَه باللامبالاة لأن الكفاءة تزعج، ولأن الكلمة القوية الصادقة تهدّد بنيةً اعتادت المصالح .

الأخطر من ذلك أنّ المحسوبية لا تقتل الإبداع فحسب، بل تُفسد الذائقة العامة. حين يُقدَّم الرديء بوصفه جيدًا، ويُلمَّع المتوسّط لأنه «مدعوم»، تتشوّه معايير التقييم، ويعتاد الجمهور على السطحية. عندها تفقد الكلمة وزنها، ويصبح الضجيج بديلًا عن المعنى.

غير أنّ الكلمة الحرة، مهما حوصرت، لا تموت. قد تتأخر، وقد تسلك طرقًا أصعب، لكنها تملك قدرة فريدة على البقاء. التاريخ شاهد على أنّ الأفكار الصادقة المميزة تجد طريقها في النهاية، وأنّ ما يُبنى على المحسوبية هشّ، ينهار بزوال مصالحه.

إنّ مواجهة المحسوبيات ليست مهمة فردٍ واحد، بل مسؤولية جماعية تبدأ بإعلاء قيمة الاستحقاق، واحترام الاختلاف، وفتح المنابر أمام الأصوات الجادّة دون تمييز. فالمجتمع الذي يحمي الكلمة الحرة، يحمي ذاته من التكلّس، ويمنح مستقبله فرصةً حقيقية للنهوض.

في النهاية، تبقى الكلمة الحرة امتحانًا أخلاقيًا لأي مجتمع: إمّا أن يصونها فيرتقي، أو يضحّي بها لصالح المحسوبية، فيدفع ثمن الصمت طويلًا.
بقلمي فريدة الجوهري لبنان

صور مميزة