أخبار قناة الشمس

×

اضغط هنا إن لم يقم المتصفح بتحويلك آليًا.

الفنان التشكيلي غالب المنصوري مقاربة بين الواقعية والصوفية أ. د. عاصم عبد الأمير ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ الجزء الثالث

الفنان التشكيلي غالب المنصوري مقاربة بين الواقعية والصوفية أ. د. عاصم عبد الأمير ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ الجزء الثالث
 


في مجموعته (العالم فراغ كبير فيه نقطة) يواصل المنصوري بحثه البصري المؤسس على طقسية لم يكن يسيراً على غالب المنصوري تجاهل تراثه الواقعي، لكنه، وفي لحظة إرادة ووعي ناضجين، استطاع أن يبتكر صفحات للتخاطب مع الآخر، هي الأمضى مما فعل في مجال الرسم، لهذا فإن موجة رسومه الأخيرة تُظهره لائذاً من دائرة القيد، وتدفعه عميقاً نحو الطبيعة النبيلة لفن الرسم، حيث يستعيد الرسام مجدداً الثقة بموهبته، وهي تهيّئ مسالك السفر التي تنحتها الذات، وكثيراً ما تُظهره متشوقاً لرؤية العالم والحقائق الماورائية بشكل أكثر مضاءً وثباتاً، بعد أن جهد لإزاحة رواسب عوالم سلبت إرادته كراهةً.
أواسط التسعينيات من القرن الفائت، كُسيت لوحاته بنبرة استعادية لسنوات الاستنزاف القسري، لكن هذه المرة تخالطها نزعة وجودية، ربما يكون لمراجعاته لآثار (عبد الحق بن سبعين) سبباً جوهرياً في إتاحة الفرصة للتعبير الذي يقف فيه وسطاً بين التعبير اللغوي، وغنائية الأداء المبرّأ من حسيته، ثمّة تصاهر بين الإيقاع الزخرفي، وتواصل التجانس بين الكتلة والفضاء على خلفية ميول ذات مدد روحي تهب الخطاب واسطة تجعل من الأخير بيئة للنجاة، لكنها تُضيء بؤس التجربة الإنسانية، وتجعلها في رحاب الجمال الحر غير المقيّد. ربما يردد المنصوري في باقة رسومه هذه ذلك الهوس الذي تحدّث عنه أساطين الفن ممن مرّوا بتجربة التحوّل، بعد أن لامسوا الحقائق الكامنة في الفن بوصفه ديناً من نوع آخر له النبع الإلهي نفسه.
صوفية المنصوري تبدو لي ساعية لترك بصمات هواجس الروح على جسد الخطاب، وأن موهبة الكشف تلك تظل رهن تجربة لم تزل تعطي، ونتوقّع منها الكثير، ويبدو أن الخصب الجمالي الذي تُشيئ به خطاباته الجمالية ستستمر حتى أعوام 2002-2009، وفيها ترشح تجربته عن سلسلة من اللوحات تحت عنوان (سمفونية التراب)، تلك الرسوم التي تُذيب الذات الجزئية في الذات العليا، في ممارسة مقامية تأخذ بالخطاب إلى نزعة أقرب إلى العرفان، حتى أن الذات تأخذ قسطاً ليس بالقليل من شعرية السفر نحو الجمال الذي يمثّل حقيقة مستقلة بذاته.
في سمفونية التراب تتأصل التجربة وتنزع عنها أرديتها الزخرفية وحيرتها إزاء الشعور المتبادل بين الحسّي والمُطلق. ثمّة سمو يدفع بمحمولات السطح التصويري نحو المجرّد الذي لا يُحيل بالضرورة إلى شيء ما، إنما يبقى لائذاً في حقائقه الكامنة خلف التفجّرات اللونية التي تمحو دون أن تصف، بقع لونية تتزاحم في لحظة انبثاق تخلّف وراءها نسيجاً من التضايفات اللونية وهي تلتهم الخطوط وتجعلها تمارس حضورها في الخفاء، فيما يستحيل السطح التصويري إلى طوبوغرافيا من التناغمات، تحمل رواسب طقسية، تظهر من خلال المدونات الحروفية تارةً، وتارةً من خلال الأطراس التي تنوء في تراتيبها الدينية.
جرفت معها تداعيات تجربة تريد أن تتفجّر مجدداً، رسوم يضمها التصميم، وتبدو ككتل رابضة في فضاء لا حدود له، وتأخذ هيأة صور مستعادة تتجمع في مصبٍّ واحد، هي بعض مما هو غاطس في مخياله الشخصي لسنوات العسف، وقهر الاستبداد الذي كان من نتائجه أن واجه الفنان المطاردة، ومن ثمّ الاعتقال، لكنه بدا أكثر شغفاً لابتكار موقف مضاد، مع شوق لجني مكاسب حرية يريد أن يراها على راحة اليد، وكان أن لامست مكابداته المريرة هذه خياله الفني، لنكون إزاء خطاب فني يسرد سيناريو تحف به التراجيديا، لكنه يبني روحه وجسده على مهل.
يجوز لك أن ترى في هذه الرسوم متحفاً لإدانة مظاهر القهر السياسي، في مقابل شغف الفنان ليبدو ثائراً وصانعاً لألوان من صنوف التعبير التي تكرّس سلامه الداخلي. إنها بمعنى آخر رواسم تدلنا على طريق الحرية المفقودة التي كرّس لها هذا الرسام شطراً من سنوات عمره، والمدفوع بضراوة الصدمة، لهذا تبدو رسومه كما لو أنها مسرودات قصصية تتجمع في لحظة تضع فاصلة بين القهر والحرية.
(العالم فراغ كبير فيه نقطة) عنونة تطرح مغزى تجربة قادمة من رحم الانكسار، لكنها سائرة باتجاه الحقيقة التي لا تبعد الرسام عن خالقه. إنها لحظات تجلي، وتنهدات عاشق أضاع فصولاً من حياته، حالماً بملاقاة الحقيقة التي لا يجدها في الأفكار بالضرورة، إنما يجدها في التماعات الذات وهي تتماهى بجدل الجمال. ..انتهى....image

image