أخبار قناة الشمس

×

اضغط هنا إن لم يقم المتصفح بتحويلك آليًا.

قصة الزعيم الذي صنع هويةِ مصر وأعاد رسم خريطة العالم الثالث - بقلم - عايدة القمش -مديرة تحرير قناة الشمس الأوروبية

56 عاماً على رحيل زعيم الأمة جمال عبد الناصر.. حبيب الملايين

 قسوة التحديات وعظمة الإنجاز:

قصة الزعيم الذي صنع هويةِ مصر وأعاد رسم خريطة العالم الثالث

56 عاماً على رحيل زعيم الأمة جمال عبد الناصر.. حبيب الملايين

بقلم - عايدة القمش -مديرة تحرير قناة الشمس الأوروبية

في الثامن والعشرين من سبتمبر عام 1970، خرجت القاهرة عن هدوئها المعتاد، انتشر الخبر سريعاً كورقة في هباء الريح، ثم تحولت الشوارع إلى موجة بشرية هادرة امتدت في كل اتجاه: جمال عبد الناصر مات. خرجت الملايين لتشييع الرئيس الذي حكم مصر منذ عام 1956، وارتبط اسمه بواحدة من أكثر المراحل اضطراباً وتأثيراً في تاريخ مصر والعالم العربي، كانت جنازة استثنائية بكل المقاييس، لكنها لم تكن سوى المشهد الأخير في مسيرة بدأت قبل ذلك بثلاثة عقود، حين كان عبد الناصر ضابطاً شاباً يحمل أفكاراً جريئة عن التغيير والاستقلال.
رصاصة السر وميلاد ثورة
في عام 1937، تقدم جمال عبد الناصر إلى الكلية الحربية، لكن طلبه رُفض في البداية لمشاركته في احتجاجات سياسية، فالتحق لفترة قصيرة بكلية الحقوق، قبل أن يُقبل لاحقاً في الكلية الحربية، داخل الثكنات العسكرية، اقترب من مجموعة من الضباط الشباب الذين كانوا يرون أن مصر بحاجة ماسة إلى تطهير سياسي واجتماعي جذري. ومن هذه الدائرة الضيقة والمتحمسة خرج تنظيم الضباط الأحرار إلى النور، ثم جاءت ليلة الثالث والعشرين من يوليو عام 1952، فتحرك الضباط بخطط محكمة، وسيطروا على المواقع الحيوية في البلاد، وأُذيع بيان الثورة بصوت السادات.
انتهى حكم الملك فاروق للأبد، وبدأ فصل جديد تماماً في تاريخ مصر الحديث. ظهر محمد نجيب في الواجهة لكسب القبول الشعبي، لكن عبد الناصر سرعان ما أصبح مركز الثقل الحقيقي والرجل الأقوى في النظام الجديد، إلى أن وصل رسمياً إلى رئاسة الجمهورية عام 1956.
يوم تحدى الإمبراطوريات
لم تمر سنوات كثيرة قبل أن يجد عبد الناصر نفسه في مواجهة مباشرة مع عمالقة العالم، كان مشروع السد العالي يمثل شريان الحياة وأهم مشروعات التنمية التي سعت مصر إلى إنجازها، لكن قرار الولايات المتحدة وبريطانيا المفاجئ بسحب عرض تمويل المشروع أثار أزمة سياسية خانقة.
وفي السادس والعشرين من يوليو عام 1956، وقف عبد الناصر على منصة في الإسكندرية ليلقي خطاباً تاريخياً أعلن فيه مدوية: تم تأميم شركة قناة السويس لصالح الشعب المصري، كان القرار بمثابة زلزال سياسي، بعدها بأشهر قليلة، شنت بريطانيا وفرنسا وإسرائيل عدواناً غاشماً على مصر، واحتلت القوات الإسرائيلية أجزاء واسعة من سيناء. لكن الأزمة لم تُحسم في ساحة القتال وحدها، فقد تصاعد الضغط الدولي الهائل من القوى العظمى الرافضة للعدوان، وانتهى الأمر بانسحاب القوات المعتدية خائبة. ومنذ تلك اللحظة، خرج عبد الناصر من حدود المشهد المصري ليصبح أيقونة عالمية لحركات الاستقلال ومقاومة النفوذ الاستعماري في آسيا وأفريقيا.
ثورة في وجه الإقطاع وبناء الدولة الحديثة
في الداخل، كانت معركة أخرى تجري بالتوازي لإعادة هندسة المجتمع. صدر قانون الإصلاح الزراعي ليكسر شوكة الإقطاع ويوزع الأراضي على صغار الفلاحين، بينما بدأت الدولة تتوسع في إنشاء الصناعات الثقيلة والكبرى كحديد والصلب والغزل والنسيج. وفي قلب هذا المشروع الضخم وقف السد العالي لتنظيم مياه النيل وتوليد الكهرباء ودعم النهضة الصناعية. بالتوازي مع ذلك، أصبحت مجانية التعليم والرعاية الصحية واقعاً معاشاً، وفتح التعليم العالي أبوابه على مصراعيها أمام أبناء الطبقات الفقيرة والمتوسطة التي طال تهميشها. وفي الإطار الإقليمي، استخدمت القاهرة أداة "صوت العرب" الإذاعية لتكون منبر التحرر لكل الشعوب العربية، وشاركت بفاعلية في تأسيس حركة عدم الانحياز، وصولاً إلى محاولة تحقيق الحلم العربي الأكبر بإعلان الوحدة مع سوريا عام 1958، والتي استمرت حتى عام 1961.
عاصفة يونيو وصمود ما بعد الانكسار
بعد سنوات طويلة من الصعود والزخم، جاءت اللحظة الأصعب والأثقل في تاريخ الرجل. في يونيو عام 1967، اندلعت حرب الأيام الستة وانتهت بهزيمة عسكرية قاسية ومفاجئة لمصر وسوريا والأردن، واحتلال إسرائيل لسيناء وقطاع غزة والضفة الغربية والجولان، وفي التاسع من يونيو، ظهر عبد الناصر على شاشات التلفزيون أمام الملايين، معلناً تحمله الكامل للمسؤولية السياسية وقراره بالتنحي عن السلطة.
لكن الشوارع المصرية والعربية رفضت الاستسلام، فخرجت مظاهرات عارمة تطالب ببقائه واستمراره في قيادة المعركة، تراجع الزعيم عن التنحي، وانتقل بالبلاد فوراً إلى مرحلة مختلفة تماماً: إعادة بناء القوات المسلحة من الصفر، وإطلاق حرب الاستنزاف على جبهة القناة لاستنزاف طاقة العدو واستعادة الثقة، لم تكن السنوات الأخيرة سهلة أو هادئة، فقد أمضى ما تبقى من حكمه وهو يصارع تداعيات الهزيمة الثقيلة وأزمات الإقليم المشتعلة.
رحيل الجسد وبقاء الأثر في الذاكرة
في سبتمبر عام 1970، سافر عبد الناصر إلى عمان لإنهاء أزمة الطائرات المشتعلة ووقف الاقتتال العربي هناك، وبذل جهوداً مضنية أنهكت قلبه، وبعد أيام قليلة من عودته، توقف النبض فجأة، في الثامن والعشرين من سبتمبر، خرجت الملايين في أكبر جنازة عرفها التاريخ الحديث لتردد دمعات الوداع الأخير.
رحل الرئيس، لكن الجدل حول تجربته لم يرحل معه قط. فبالنسبة إلى مؤيديه، ظل عبد الناصر الرمز الأخلد للاستقلال الوطني والعدالة الاجتماعية وكرامة الإنسان العربي، بينما يوجه له منتقدوه انتقادات حادة حول إدارة المعركة العسكرية عام 1967، وطبيعة النظام السياسي الشمولي، والنتائج الاقتصادية لبعض سياساته. وبين هذه القراءات المتباينة، يظل الثابت التاريخي أن جمال عبد الناصر لم يكن مجرد رئيس حكم مصر لأربعة عشر عاماً، بل كان ظاهرة سياسية واجتماعية أعادت تشكيل وجه الدولة المصرية وأثرت بعمق في مسار العالم بأسره.
رحل الرجل، ولكن بعد مرور ستة وخمسين عاماً، لا يزال اسمه حياً في طيات الكتب ووجدان الذاكرة الحية ونقاشات التاريخ المستمرة، لتثبت الأيام أن قصة جمال عبد الناصر لم تنتهِ أبداً عند حدود القبر، بل بدأت عنده فصول الأسطورة والجدل الذي لا ينطفئ.

صور مميزة