أخبار قناة الشمس

×

اضغط هنا إن لم يقم المتصفح بتحويلك آليًا.

المخرج والاعلامي طارق الياسري من نواقيس المحبة للأستاذ الدكتور رافد المسعودي بحق الرحالة طارق الياسري وحاتم طي تكريت الأخ ابو دريس عامر الهزيم ..

المخرج والاعلامي طارق الياسري من نواقيس المحبة للأستاذ الدكتور رافد المسعودي  بحق الرحالة طارق الياسري وحاتم طي تكريت الأخ ابو دريس عامر الهزيم ..
 المخرج والاعلامي طارق الياسري
من نواقيس المحبة للأستاذ الدكتور رافد المسعودي
بحق الرحالة طارق الياسري وحاتم طي تكريت الأخ ابو دريس عامر الهزيم ..
طارق الياسري في بيت أبي إدريس عامر الهزيم... فطور الملطوش والخميعة حين يصبح الكرم لغة
في تكريت لا يأتي الصباح عابرًا كما تأتي الساعات في المدن هناك للصباح ذاكرة وللبيوت أرواح وللموائد لغة لا يفهمها إلا من عرف معنى الكرم حين يكون سجية لا استعراضًا ومحبة لا مجاملة، ولقاءً لا تحده ساعة ولا مكان.
وفي بيت أبي إدريس عامر الهزيم كان الصباح مختلفًا.
كان كأنه نزل من السماء بهدوء، وغسل وجهه بماء دجلة، ثم طرق باب البيت قائلاً: هنا يسكن الطيبون.
وكان طارق الياسري هناك، لا بوصفه ضيفًا فحسب، بل بوصفه واحدًا من أهل الدار لأن بعض الضيوف لا يدخلون البيوت من أبوابها، بل يدخلون مباشرة إلى القلب.
اجتمعوا على مائدة لم تكن مجرد مائدة فطور وإنما كانت قصيدة عراقية مكتوبة برائحة الخبز، وبخار الطعام وابتسامات الرجال وذاكرة المكان.
كان الملطوش حاضرًا والخميعة تتوسط المشهد كأنها نجمة ذهبية هبطت من سماء الريف إلى صحن عراقي، وكان الصباح كله يتلذذ بهذا المشهد قبل أن تتذوقه الأيدي.
يا لها من لحظة...!
فطور بسيط في ظاهره لكنه عظيم في معناه.
فالملطوش ليس مجرد طعام، والخميعة ليست مجرد طبق؛ إنهما جزء من ذاكرة عراقية تعرف أن أعظم الموائد ليست تلك التي تزدحم بما غلا ثمنه، بل تلك التي تجلس حولها القلوب وهي مطمئنة.
في بيت أبي إدريس كانت المائدة تقول لطارق:
أنت لست غريبًا.
وكان البيت يقول له:
خذ من خبزنا ما يكفيك ومن محبتنا ما لا ينفد.
وكانت تكريت كلها، بما تحمل من تاريخ وهيبة وكرم، تقف خلف ذلك الصباح كأم عراقية تفتح بابها للضيف وتقول له: أهلاً بك فالدار دارك.
أما عامر الهزيم أبو إدريس فلم يكن يحتاج إلى كثير كلام ليعلن عن كرمه؛ فالكرم الحقيقي لا يرفع صوته، ولا يطلب شهادة من أحد.
يكفي أن ترى المائدة حتى تعرف صاحبها.
ويكفي أن ترى وجه الضيف حتى تعرف أن الكرم وصل إلى غايته.
كان عامر الهزيم في ذلك الصباح أشبه بمن يكتب بالخبز والملح رسالة إلى الحياة:
نحن العراقيين، مهما أتعبتنا الأيام، لا تزال موائدنا قادرة على أن تجمعنا.
ومهما فرقتنا المسافات تبقى البيوت الأصيلة تعرف كيف تعيد الإنسان إلى نفسه.
ومهما تغيرت الأزمنة يبقى للضيف مقامه وللخبز حرمته، وللمائدة هيبتها.
وطارق الياسري وهو يتناول فطوره في ذلك البيت، لم يكن يأكل طعامًا وحسب؛ كان يأكل شيئًا من ذاكرة تكريت.
كان يتذوق صباحًا عراقيًا خالصًا.
يتذوق شيئًا من أيام كانت فيها البيوت مفتوحة والقلوب أوسع من الأبواب والجيرة شرفًا، والضيافة عهدًا والخبز المشترك أقوى من ألف خطاب عن المحبة.
يا تكريت...
أيتها المدينة التي تعرف كيف تخبئ في بيوتها حكايات لا تستطيع الكتب أن ترويها...!
كم من صباح مر على ضفافك ولم يشعر به أحد، وكم من مائدة جمعت رجالًا ثم أصبحت بعد سنوات ذكرى تضيء القلب كلما أغمض صاحبه عينيه!
لكن صباح بيت أبي إدريس كان يستحق أن يُكتب.
لأن بعض اللحظات الصغيرة أكبر من أن تبقى صغيرة.
صورة رجل يتناول الملطوش والخميعة في بيت صديق قد تبدو في عيون العابرين مجرد فطور.
أما في عيون من يعرفون قيمة الصداقة فهي وثيقة حب.
ووثيقة عراق.
ووثيقة وفاء.
ووثيقة تقول إن أجمل ما في الإنسان أن يجد مكانًا لا يحتاج فيه إلى أن يشرح نفسه.
يجلس.
يبتسم.
يتناول لقمة.ويشعر أنه بين أهله وهذا هو سر البيوت الكبيرة ليست بكبر مساحتها، ولا بفخامة أثاثها، وإنما بعدد القلوب التي تستطيع أن تحتضنها دون أن تسألها من أين جاءت...؟
في بيت أبي إدريس كانت الخميعة تلمع في الصحن وكان الملطوش يحمل عبق الأرض وكانت القهوة أو الشاي، إن حضرا يضيفان إلى المشهد موسيقى عراقية لا تحتاج إلى عازف.
والحديث يتنقل بين الرجال مثل نسمة خفيفة.
ضحكة هنا وذكرى هناك وكلمة من طارق وابتسامة من عامر.
ثم تعود المائدة لتجمع كل شيء تحت سقف واحد.
هكذا تصنع الصداقة أجمل صورها لا في المناسبات الرسمية، ولا في الكلمات المنمقة وإنما في صباح عادي جدًا، حين يقول لك صديقك:
تفضل هذا فطورنا فتشعر أن العبارة تعني أكثر بكثير من الطعام.
تعني:
هذه دارك.
وهذا خبزنا.
وهذا صباحنا.
وهذه محبتنا.
وكل ما عندنا لك.
يا أبا إدريس...
يا عامر الهزيم...
لقد لا تكون قد صنعت في ذلك الصباح وليمة للملوك لكنك صنعت شيئًا أعظم:
صنعت ذكرى والذكريات الجميلة لا تُشترى بالمال.
لا تُطبخ في المطابخ الفاخرة ولا تُقدم على الموائد المترفة.
إنها تولد عندما يجتمع الإنسان بالإنسان في لحظة صافية، بلا حساب، بلا تصنع، بلا مسافات ولذلك سيبقى ذلك الفطور في ذاكرة طارق الياسري أكثر من مجرد وجبة صباحية.
سيبقى صباحًا له رائحة تكريت ولهذا البيت ولهذا الرجل ولهذه الصحبة وسيقول الزمن ذات يوم:
مرّ طارق الياسري من هنا.
جلس في بيت أبي إدريس عامر الهزيم.
وتناول الملطوش والخميعة.
لكن الزمن لن يذكر الطعام وحده سيذكر أن هناك بيتًا فتح قلبه قبل بابه، وأن هناك رجلاً جعل الضيافة فعل محبة، وأن هناك صداقة استطاعت أن تحول فطورًا بسيطًا إلى مشهد يليق بالقصائد.
فالعراقي حين يكرم ضيفه لا يقدم له الطعام فقط.
يقدم له جزءًا من نفسه.
يضع أمامه خبزه، وكأنه يضع أمامه كرامته.
ويصب له الشاي، وكأنه يصب له الطمأنينة.
ويجلس إلى جانبه وكأنه يقول له:
لن تأكل وحدك.
وهذه الجملة وحدها تختصر تاريخًا طويلًا من الشهامة العراقية.
إنها فلسفة كاملة.
إنها العراق حين يكون العراق.
إنها تكريت حين تستعيد وجهها القديم وجه المدينة التي لا تقيس الناس بما يملكون، وإنما بما يحملون في قلوبهم.
ومن أجمل ما في تلك الصورة أن طارق الياسري لم يكن مجرد عابر طريق في صباح تكريتي كان ضيفًا حط رحاله في بيت يعرف كيف يجعل الضيف يشعر بأنه صاحب الدار.
وهنا تتجلى عظمة أبي إدريس.
فثمة رجال يفتحون أبوابهم وثمة رجال يفتحون قلوبهم.
والفرق بين الاثنين أن الأول يستقبل جسدك أما الثاني فيستقبل روحك وعامر الهزيم من أولئك الذين إذا استقبلوك، شعرت أن الطريق كله كان يستحق أن تقطعه لتصل إلى ذلك البيت.
فسلام على المائدة التي جمعتهم.
وسلام على الملطوش وهو يحمل ذاكرة الأرض.
وسلام على الخميعة وهي تتوسط الصباح كأنها شمس صغيرة.
وسلام على تكريت حين تبتسم لزائريها.
وسلام على أبي إدريس عامر الهزيم حين جعل من بيته مساحة للود.
وسلام على طارق الياسري وهو يترك على تلك المائدة شيئًا من حضوره وشيئًا من ضحكته وشيئًا من حكايته.
فبعض الفطور يُنسى بعد ساعات وبعض الفطور يبقى سنوات.
أما فطور بيت أبي إدريس...
فقد اختار أن يكون قصيدة.
قصيدة من خبز وملح.
قصيدة من صداقة.
قصيدة من كرم.
قصيدة من تكريت.
وقصيدة عراقية لا تنتهي بانتهاء الصحن ولا بانطفاء الصباح لأنها كتبت في المكان الصحيح:
في الذاكرة.
هناك...حيث لا يستطيع الزمن أن يمحو الجميل.
وهناك، حيث تبقى لقمة الخبز التي أُكلت بمحبة أصدق من ألف كلمة وتبقى الضحكة التي خرجت من القلب أجمل من كل قصائد المديح.
وفي النهاية...
لم يكن طارق الياسري يتناول فطورًا في بيت أبي إدريس.
كان يتناول صباحًا من العراق وكان عامر الهزيم لا يقدم طعامًا لضيفة أو لصديق.
كان يقدم له قلب تكريت على طبق.
وكانت الملطوشة والخميعة، في ذلك الصباح أكثر من طعام...
كانتا شاهدتين على أن العراق، مهما تبدلت الأيام، لا يزال يملك سرًا لا يستطيع العالم كله أن يقلده:
أن يحول أبسط الأشياء إلى أعظم الذكريات.
فطوبى لبيتٍ إذا دخلته شعرت أنك وصلت.
وطوبى لصديقٍ إذا دعاك إلى مائدته شعرت أنك من أهله.
وطوبى لتكريت حين يكون صباحها بهذه الروح.
وطوبى لطارق الياسري، الذي عرف أن أجمل الفطور ليس ما يملأ المعدة...
بل ما يملأ القلب.
وطوبى لأبي إدريس عامر الهزيم، الذي جعل من المائدة وطنًا صغيرًا، ومن الفطور عيدًا، ومن الضيافة ملائكةً تمشي على الأرض...
د.رافد حميد فرج
٢ / ٩ / ٢٠٢٦
image

image

صور مميزة