أخبار قناة الشمس

×

اضغط هنا إن لم يقم المتصفح بتحويلك آليًا.

الإرباك المُتزن- بقلم الإعلامية والكاتبة - مروة السنهوري

الإرباك المُتزن- بقلم الإعلامية والكاتبة - مروة السنهوري
 
الإرباك المُتزن- بقلم مروة السنهوري

قالت لي وهي ترتشف بتتابع عدة رشفات من قهوتها الأمريكية مُرة المذاق: "عندما بدأت رحلة علاجي الأولى خلال إصابتي بالاكتئاب، كنتُ أمام ثلاثة خيارات لا رابع لها لأختار منها".
رددتُ عليها بفضولٍ ممزوج بسخرية ممن هي في مثل حالها وتدّعي الاكتئاب: "احكي لي"، فقالت:

الخيار الأول: أن أتكئ على كتف صديقي الأربعيني الكسول الذي أتقن مهارة وفن الحياة، مُفضلاً الاستمتاع بتناول حساء ساخن مع من يحب، أو قراءة رواية مترعة بالمتعة، على أن يبذل أدنى جهد لكتابة قصة تخوله نيل جائزة محلية في قريته.
يا للسخرية! أهو من سينقذني الآن؟ ربما يكون الشخص الملائم في تلك المرحلة لانتشالي من ظلمة الندوب النفسية، بعد أن استنزفتني ملاحقة أحلامٍ مستعارة من غيري وظننتها ملكي: "مشروع تجاري، ماجستير، زواج".
في المقابل، لم يحقق صديقي شيئاً سوى الاستمتاع بمشاهدة القمر بدراً من شرفة بيته المتواضع، وكأنه يغيظ الحياة ويخرج لها لسانه.
وددتُ لو أتعلم منه كيف تصبح الحياة عادلة عبر "مُتعها الصغيرة"؛ فالعثور على موقف لسيارته في شارع مزدحم يوازي لديه نيل جائزة "بوليتزر" في الصحافة.. أليست مفارقة بليغة!

الخيار الثاني: وهو الأكثر سخرية، طرحته عليّ خبيرة تنمية بشرية؛ ويقضي بتطبيق تمرين "مشاهدة الفيلم" بتخيل حياتي شريطاً سينمائياً أتحكم في تصنيفه عبر جهاز التحكم: إما كوميدي يعني "البهجة والضحك"، أو رعب يعكس "الخوف والقلق من المستقبل"، أو رومانسي يفيض "سلاماً وحباً".. الخيار كله بيدي.
مبررها الفلسفي يقوم على أن الروح تدرك في قرارتها أن التجربة الأرضية خفيفة وعابرة وليست بالعمق أو الجدية التي نتوهمها، لكن المعضلة تكمن في العقل الذي يقتات على الوجع والقلق، عاجزاً عن التصالح مع فكرة تُجرّد الحياة من تضخيمها الزائف.

الخيار الثالث: مراجعة الطبيب النفسي، ولا سيما أن احتمالية الإصابة باضطراب ثنائي القطب بدت واضحة؛ فالفوضى المشاعرية كادت تودي بي: في الصباح تدفقٌ عارم بفرح الكينونة وشعور بالانتماء لصفوة الناجحين، وليلاً يجثو الاكتئاب الثقيل على صدري لأستيقظ تائهة: من أنا؟ وماذا أفعل هنا؟

لم تكن صديقتي تنتظر معجزة سماوية تعيد ترتيب المشهد، لإدراكها حاجتها للوقت كي تواجه ذاتها الحقيقية.
كما لم يشغلها انطفاؤها الداخلي بقدر قلقها على من تحب وهم يرونها تذوي؛ فقد أحست بخيانتهم.. كان عمها يمارس كل صباح دوره الأبوي بتفانٍ يشبه رهباناً يُعدّون خبز القربان المقدس بمهابة، مؤمناً بأنها ستكون الرقم الصعب الذي يتجاوز المئة التائهين.. لم يكن سهلاً عليه أبداً أن يراها تنكسر.

بعد خمسة أشهر، التقيتها في أحد المقاهي الإيطالية الهادئة في دبي مارينا. بدت متوهجة كمن يعيش سحر البدايات الأولى.. ثملة بلا خمر، وحالمة بلا نوم.
وحين سألتها عن السر، همست: "إنها براءة الجنون.. تلك القوة الخارقة المُعذبة والبهيجة معاً، التي تركتني معلقة بين الأرض والسماء، وممتلئة بفرح يشبه صبيحة العيد.. إنها الوصفة البسيطة الساحرة التي أربكت اتزاني لأتزن من جديد؛ إنه الحب الذي يختار أصحابه بعناية.. أما خياراتي الثلاثة، فقد ضربتُ بها عرض الحائط".

*إعلامية وكاتبة سودانية

صور مميزة